إعلان

هدنة كراباخ... ومشروعيّة القلق الفرنسي

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
ماكرون وأردوغان
ماكرون وأردوغان
A+ A-
 
إصرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على المشاركة في مراقبة وقف النار في إقليم ناغورنو كراباخ، أثار فزع فرنسا التي توجهت إلى موسكو طالبة "إيضاحات" عن ماهية الدور التركي في الاتفاق الروسي - الأذري - الأرميني الذي أبرم ليل التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري وتوقفت المعارك بموجبه في الإقليم. 
 
منذ بدء الهجوم الأذري على كراباخ، قال أردوغان إن مرجعية مينسك التي أنشئت عام 1994، لتتولى عملية التوصل إلى حلٍ في كراباخ، سقطت، وأنه يجب أن تقوم مرجعية جديدة بديلة منها مؤلفة من أذربيجان وأرمينيا وروسيا وتركيا، تتولى وضع خريطة طريق للحل في القوقاز. وللتذكير، فإن روسيا والولايات المتحدة وفرنسا تتشارك في رئاسة مجموعة مينسك، التي تشكلت عقب الجولة الأولى من الحرب أوائل تسعينات القرن الماضي. 
 
وأتى الاتفاق الثلاثي في موسكو الذي نصّ على نشر قوة حفظ سلام روسية في كراباخ، مفاجئاً بعض الشيء بالنسبة إلى تركيا، كونها ليست مشمولة فيه ولا يحمل توقيعها. ومثلما كانت لتركيا اليد الطولى في تغيير المعادلة العسكرية في الجولة الأخيرة من الحرب التي استمرت 6 أسابيع، عبر دعم القوات الأذرية بالطائرات المسيرة والمرتزقة من المعارضة السورية، تريد أنقرة أن تستثمر في النتائج السياسية للعمل العسكري، ولا سيما من خلال وجود عسكري تركي على الأرض على غرار شمال العراق وشمال سوريا وليبيا. 
 
من هنا، لم يأتِ الاتفاق الثلاثي ملبياً لمعظم الآمال التركية. وعليه، ألح أردوغان على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن تحظى أنقرة بدور في الإشراف على وقف النار، فكان المخرج الروسي إبرام اتفاق روسي - تركي منفصل، ينص على إقامة مركز مراقبة مشترك روسي - تركي في الأراضي الأذرية لا داخل كراباخ. ويدرك الكرملين أن للتنسيق مع تركيا حدوداً لا يمكن تخطيها، وخصوصاً لناحية وجود عسكري تركي في أراضٍ أرمينية. لأن هذا يحمل حساسية تاريخية لا يمكن أرمينيا تحملها ولا في إمكان روسيا تسويقها للاعتبارات ذاتها. 
 
ومن خلال الاتفاق الثلاثي، ارتضى الأرمن أن تضطلع القوات الروسية بحماية كراباخ والممر الرابط بين الإقليم وأرمينيا. وفي الوقت نفسه، استعادت باكو الأراضي التي كان يسيطر عليها الأرمن في محيط كاراباخ، وتالياً بات في إمكان الرئيس إلهام علييف أن يسوّق الاتفاق على أنه نصر كبير لأذربيجان وأن الحرب حققت معظم أهدافها، ولو بقي إقليم كاراباخ نفسه خارج سيطرة أذربيجان وفي انتظار تسوية مقبلة. وضمنت روسيا عبر الاتفاق بقاء نفوذها في منطقة تعتبر حيوية لمصالحها الأمنية والاقتصادية. 
 
وطبيعي أن تشعر فرنسا التي تقيم فيها جالية أرمينية كبيرة تضم نحو 600 ألف شخص بالقلق حيال ما سيكون عليه الوضع، سواء في كراباخ أم في أرمينيا نفسها. ومصدر الخطر يتأتى من السياسة التركية ومن المهادنة الروسية لأنقرة في قضايا دولية أخرى، مثل سوريا وليبيا أو حتى شرق المتوسط. ولهذا السبب طالب الرئيس الفرنسي بإشراف دولي على اتفاق وقف النار. أي أن باريس واضحة في مقاصدها، وهي لا تعارض وقف الحرب، بل لا تريد أن تتفرد روسيا وتركيا ببحث مستقبل كاراباخ، من دون وجود ضمانات دولية من شأنها تحقيق التوازن في أي تسوية. 
 
وحتى الآن يمكن القول إن مرحلة من النزاع طُويت، وأن مرحلة جديدة بدأت. لقد كان الهم الروسي في الأسابيع الأخيرة العمل على وقف الحرب، لأن استمرارها كان يهدد بنشوء أوضاع تستعيد تاريخاً من الأهوال التي عرفتها المنطقة قبل مئة عام. ولذلك رمى بوتين بثقله كي يوقف الحرب، وتعيّن على أرمينيا أن تقدم تنازلات مثل الانسحاب من أراضٍ أذرية، وعلى أذربيجان أن تقبل بعدم دخول كراباخ وبنصر كامل، وعلى تركيا أن تلتزم حدوداً لا يمكن تخطيها.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم