إعلان

​ أردوغان الحالم... أكثر من باحث عن النفط

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
رجب طيب أردوغان.
رجب طيب أردوغان.
A+ A-
يجلس رجب طيب أردوغان على حافة صخرية قبالة جزيرة "ميس"، ويحصي في تأمله الطويل أشباح اليونانيين على الجزيرة التي تبعد مئات الأمتار عن البر التركي، الجزيرة الصغيرة لم تبارح مكانها بينما تبدلت الأشباح هناك، إيطاليون أخذوها من السلطان التركي، وإنكليز أخذوها من الإيطاليين، وألمان وصلوا اليها عشية الحرب العالمية الثانية، وإنكليز أيضاً منحوها لليونانيين، ويونانيون لم تتمكن "حرب الاستقلال" من زحزحتهم عنها، بقيت هناك مثل صخرة متمنعة تتقدم الأرخبيل.
 
هنا اكتفى مصطفى أتاتورك صبيحة معركة "دوبلو بينار" (30 آب/أغسطس 1922) التي توجت الهجوم الكبير، وذهب ليوقع اتفاقية لوزان بعد أن شتت الجيش اليوناني على الأرض ومزق معاهدة "سيفر" التي وقعها الحلفاء قبل 100 سنة كاملة من الآن. الانتصار الذي كرس أتاتورك مؤسساً لتركيا الجديدة.
 
انتصر المحرر التركي و"استعاد" الأناضول وجبال أرارات ومقاطعات من الدولة الأرمينية في الشرق وأنهى حلم الأكراد بدولتهم، ولكنه منح تركيا الجديدة كاملة للغرب. أغلق الباب على تاريخ الأمبراطورية وفتوحات السلاطين، وغيّر حروف اللغة الى اللاتينية. لم يعد بإمكان القراء الأتراك تأمل الانحناءات المتلاحقة للحروف العربية، بقيت للقرآن وزخرفة السيراميك والحفظة والمؤذنين، أزاح الطرابيش والعمائم عن رؤوس الأتراك ليشبهوا الأوروبيين أكثر، أعاد "آيا صوفيا" لتكون متحفاً بعد أن حولها محمد الفاتح مسجداً منذ فتح القسطنطينية، وفصل الدين عن الدولة، الدولة التي قامت على الدين.
 
ولكن كل ذلك لم يزحزح اليونانيين من الجزيرة، ولم يسمح لأوروبا بأن تتقبل الأتراك، لا إعدام اللغة ولا نفي التاريخ ولا تحريم الطرابيش والعمائم، ولا كراهية العرب والأرمن والأكراد، ولا تحويل العلمانية في البلاد ديانة متشددة يحرسها مجلس من الجنرالات العابسين.
 
سلّح الغرب الجيش وبدل عقيدته، وجرت ورشة إعادة صوغ جمهورية أتاتورك وتحويلها ثكنة أمامية للحلف الأطلسي، وبناء نفوذ شبه مطلق للضباط لحراسة العلمانية التركية ومواجهة الاتحاد السوفياتي، الذي كان بالصدفة الداعم الأساسي لقوات الأتراك بالأسلحة خلال "حرب الاستقلال". الاتحاد السوفياتي الذي وعده أتاتورك عبر مراسلاته مع لينين بمحاربة الإمبريالية، ستتحول جمهوريته الجديدة حارساً مدججاً بالسلاح الغربي في حراستها، نوبة الحراسة الطويلة تلك التي امتدت طوال سنوات الحرب الباردة لم تكن كافية لفتح بوابة أوروبا أمام تركيا.
 
لقد استولت أوروبا المنتصرة على أراضي الأمبراطورية ووزعتها في ما بينها، من شمال أفريقيا حتى البلقان ومن البلقان حتى الحجاز وسهول "الشام الشريف" وصولاً الى القوقاز، بينما تخلى المؤسس عن الشعوب، لقد حاول تغيير التاريخ ولكنه خسر الجغرافيا تماماً.
 
عقلية الضابط الذي خبر الهزائم وانهيار الدولة فتعلق بنموذج المنتصر، وروح القومي الذي حبس شعبه في حلمه الشخصي، لم يستطع أن يمنح بلاده مكاناً أوسع من غرفة حراسة في فناء أوروبا. 
 
كل هذا يجب أن يستعاد وأن يعاد النظر فيه.
 
يفكر أردوغان وهو يحصي اليونانيين على الجزيرة انه يواصل "حرب الاستقلال"، وأن معاهدة "لوزان" لم تعد قادرة على احتواء احلام تركيا، وأن أتاتورك أو أبو الأتراك كما أطلقوا عليه لم ينجز "المهمة"، رغم كل القداسة التي أحيط بها، وأن مهمته الآن هي استكمال تلك الحرب وتمزيق المعاهدة، كما مزق أتاتورك "سيفر"، ومواصلة المهمة التي لم يستطع سلفه إنجازها.
 
تحت هذا الضوء يمكن قراءة الاندفاع التركي في الإقليم، من المنطقة الآمنة داخل الأراضي السورية حيث ضريح جد الأمبراطورية العثمانية، الى طرابلس في ليبيا مروراً بجزيرة قبرص وقطاع غزة في فلسطين، وصولاً الى أحياء "الجبهة الشرقية" على الحدود الأرمينية وجبال القوقاز.
 
ليس باحثاً عن النفط والغاز في الجرف القاري، أو منقباً عن المعادن كما يبدو الأمر، تلك وسائل لا أكثر، ما يقوده هو البحث عن "المجد" وأحلام الأمبراطورية ووضع صورته الى جانب محمد الفاتح الذي يحبه كثيراً، وكمال أتاتورك، مع ميل واضح الى الأول. الحلم الذي صعد من شقوق زلازل الإقليم، بعد قرن كامل من موجة المعاهدات والوعود التي تدفقت من الحرب الكونية الأولى على المنطقة، يبدو قابلاً للتحقيق.
 
ثمة أشباح كثيرة أخرى وصلت في طريقها الى العشرية الثالثة من القرن الماضي، ماكرون الفرنسي الذي تذكر الحماية الفرنسية للبنان والتحالف الفرنسي اليوناني في الحرب اليونانية التركية، ودخول الجيش الفرنسي في مقدم الحلفاء للقسطنطينية، وبوتين الروسي الذي استعاد معاهدة "موسكو-قارص" ومراسلات اتاتورك-لينين، وأردوغان التركي الذي يحاول تمزيق معاهدة "لوزان" وإيجاد اتفاقات جديدة، وبينما يبحث الفرنسيون والروس عن النفوذ والغنائم، يبحث التركي عن "أملاكه" والماضي الذي فقده في تلك الحرب وفي خرائط تلك المعاهدات.
 
الأمر أكثر تعقيداً من رحلات "عروج ريس" في شرق المتوسط التي توقظ ماكرون من نومه وتستنفر الجيش اليوناني كلما دفعها أردوغان في مياه المتوسط، بينما شقيقتها "الفاتح" تنقب البحر الأسود وتبعث برسائل عن حقول الغاز من هناك.
 
يتحرك رجب طيب أردوغان بقناعين قيادة الإسلام السنّي بعلمائه وميليشياته وحنين "الخلافة" الذي يغذيه، يقود حروبه الكثيرة من دون أن يتقدم كثيراً، يضع نقاط على الخريطة، وهو يؤسس جيش السنّة من شعوب المنطقة تحت علم تركيا، نوع من الخلافة الافتراضية، فيما ينظر عبر القناع الثاني الى القوميين الأتراك. هو الآن أردوغان ومحمد الفاتح وأتاتورك معاً. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم