إعلان

إيران تبرّد مع أميركا وتقترع لترامب وبايدن

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
صورة من التفجيرات المجهولة المصدر في ايران
صورة من التفجيرات المجهولة المصدر في ايران
A+ A-
برغم كل الضجيج و"البروباغاندا" الحربية التي امتهنتها إيران منذ سنوات طويلة في مسار علاقاتها بالولايات المتحدة، وبرغم الحرب الإعلامية التي تخوضها ضد الأميركيين، تبدو إيران في هذه المرحلة، وكأنها دخلت مرحلة تبريد علاقلاتها المتوتّرة تقليدياً بالولايات المتحدة على أكثر من مستوى. فالتطوّر البارز الذي حصل في لبنان أخيراً، والمتمثل بموافقة لبنان، أو قل "حزب الله"، على إطلاق مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل كمقدمة لترسيم الحدود البرية لاحقاً، وإيكال مهمة الإعلان عن ذلك، لا الى رئيس الحكومة، ولا الى رئيس الجمهورية، بل الى رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يمثل بترؤسه "حركة أمل" الشيعية أحد ركني التمثيل الشيعي مع "حزب الله"، والذي كان يتحدث بالنيابة عن الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، هذا التطور البارز الذي كان معلقاً لسنوات طويلة في إطار التصعيد المطرد مع إسرائيل والولايات المتحدة، يؤشر الى رغبة إيرانية في إعطاء الإدارة الأميركية الحالية التي تخوض حرب عقوبات كبيرة تحت مسمى "الضغط الأقصى" على إيران، ورقة ثمينة يحتاجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في معركته الرئاسية.
 
فمفاوضات الترسيم التي تحصل على خلفية الحراك الإقليمي الذي تمثل في عقد عدد من الدول الخليجية معاهدات سلام مع إسرائيل، تأتي كبادرة "حسن نية" تقدمها طهران في هذه المرحلة. وإذا كانت إيران تنتظر بفارغ الصبر فوز خصم ترامب، السيناتور جو بايدن، غير أنها لا تملك ترف حصر رهانها ببايدن دون ترامب الذي يمكن أن يكذّب مرة جديدة استطلاعات الرأي التي تتوقع بمعظمها خسارته يوم الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل وفوز المرشح الديموقراطي بايدن الذي تتوقع طهران أن يبادر، حال تسلمه مهماته (إن فاز) في نهاية شهر كانون الثاني (يناير) من العام المقبل، الى إعادة الولايات المتحدة الى الاتفاق النووي الإيراني بالشراكة مع مجموعة الـ5+1، وتخفيف برنامج العقوبات الذي وضعته إدارة ترامب، والذي أدى الى الإضرار كثيراً بالاقتصاد الإيراني وبقدرات طهران التوسعية خارج حدودها، لا سيما في الإقليم المجاور، كل ذلك من خلال عمل منسق مع الإسرائيليين من سوريا الى العراق، فقلب إيران نفسها التي تعرّضت لضربات "مجهولة" المصدر خلقت في الأشهر القليلة الماضية نوعاً من الارتباك في الداخل الإيراني. 
 
ليس التطوّر على صعيد ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل المؤشر الوحيد الى تبريد الإيرانيين المرحلي للمواجهة مع الأميركيين، فمسارعة "حزب الله" ومعه شركاؤه في الساحة اللبنانية الى فتح الباب أمام تشكيل حكومة جديدة برئاسة زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري، وانتزاعهم قبولاً أميركياً بإطلاق عملية تشكيل حكمة تراعي في جانب منها بعض مطالب المجتمع الدولي من لبنان، أمر أدى الى فرض عودة الحريري الى رئاسة الحكومة تحت شعار "تنفيذ المبادرة الفرنسية" التي سبق أن أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل نحو شهرين، وتضمّنت في بندها الأول لإنقاذ الاقتصاد اللبناني تشكيل "حكومة مهمة" موقتة من خبراء واختصاصيين تناط بها مسوؤلية إطلاق مسار الإصلاح وإنهاء الفساد المستشري في لبنان. كل ذلك رغماً عن الحليف الأقرب الى "حزب الله"، رئيس الجمهورية ميشال عون الذي ما استطاع أن يوقف المسار المؤدي الى اختيار الحريري بدعم غير مرئي من "حزب الله"، وذلك في إطار سياسة التبريد الإيرانية في انتظار الانتخابات الرئاسية الأميركية. 
 
لا يقتصر التبريد المشار اليه على لبنان فحسب، فصمت طهران من ناحية عملية على اتفاقات السلام الخليجية – الإسرائيلية الأخيرة، والاكتفاء بحملة خجولة في الإعلام على وقع شعارات قديمة، يفسّر نوعاً من التسليم الإيراني بتطوّر استراتيجي كبير يحصل حالياً، ويعيد خلط الأوراق في المنطقة. فبدل على أن تتتباهى إيران بأنها من الناحية الاستراتيجية تقف على مرمى حجر من حدود إسرائيل في لبنان وسوريا، أصبح بإمكان الإسرائيليين، من خلال الحلف الإقليمي الجديد الذي يحصل تحت مظلة الولايات المتحدة الاستراتيجية، أن يتباهوا أيضاً بأنهم وصلوا الى مسافة مرمى حجر من شواطئ إيران على ضفة الخليج العربي. كل هذا يدفع الإيرانيين الى لعب ورقة التبريد التي تجلّت، في ما تجلّت فيه، في تسهيل عملية تبادل الأسرى في اليمن بين قوات التحالف والحوثيين، وفي خفض نوعي في العمليات في اليمن منذ بضعة أسابيع. 
 
لا يغيب عن البال أن ما يحصل في العراق منذ أن وصل مصطفى الكاظمي الى سدة رئاسة الحكومة، من عودة الى شيء، وإن أولياً، من التكافؤ بين منطق الدولة ومنطق الميليشيات المذهبية التي ترعاها إيران، وتجنّب الإيرانيين واتّباعهم في الساحة العراقية الاصطدام بقوة مع الكاظمي الذي يتجوّل حالياً في عدد من الدول الغربية، حاصداً شرعية دولية ثمينة في مواجهة المد الإيراني في بلاده، يعكس بداية تحوّل في المقاربة الإيرانية للملفات الإقليمية بعدما كاد تمدّد المشروع الإيراني الى مداه الأقصى يهدد إيران نفسها في الداخل، على خلفية التحالفات التي قامت لمواجهتها، بعدما غادر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما البيت الأبيض. 
 
استنتاجاً، ثمة سياسة إيرانية مرحلية مستجدة في الإقليم، ولكنها مرهونة بنتائج الانتخابات الأميركية. والمؤكد أن الإيرانيين يشاركون عبر سياسة التبريد كناخب في الانتخابات الأميركية، ويلعبون ورقة الحصانين المتسابقين، ولا يجازفون. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم