إعلان

تركيا: عودة الى المسار؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
سياح عرب في تركيا
سياح عرب في تركيا
A+ A-
كان الحديث عن بدائل السياحة والاستثمار في تركيا، وبدا أن أكثر المشاركين في الحوار غير مقتنعين بتلك البدائل. فأكثر البلدان العربية التي ضخ فيها الخليجيون استثماراتهم وموازنات رحلاتهم الترفيهية والعملية، تفتقر الى بعض المزايا التي اجتمعت في تركيا. وفي ظروف الجائحة، فإن قائمة الدول المسموح السفر اليها أقصر بكثير مما كانت عليه قبلاً. 

امتدح أحدهم أوكرانيا التي توجهنا اليها أخيراً، فرد عليه آخر بأنها تشبه تركيا قبل عشرين عاماً. ورغم الطبيعة الساحرة، والأسعار المقبولة، والترحيب الرسمي، فما زالت الخدمات محدودة وأقرب الى زمن الاشتراكية تحت حكم الاتحاد السوفياتي الذي استمر سبعين عاماً. كما أن هناك تفاوتاً في التسعير في الخدمات المقدمة للمواطن والزائر الأجنبي، بخاصة إذا كان خليجياً. أما بالنسبة الى الأسر المحافظة، فلا تزال البلدان الإسلامية أقرب الى قلوب الناس وأنسب لطبائعهم واحتياجاتهم، من النظرة الى الحجاب والثياب، الى توافر الأكل الحلال، وما بينهما كثير. 

مقاطعة شعبيّة
على أن مقاطعة السياحة والمنتجات التركية جاءت رد فعل تلقائياً، بمبادرة شعبية نتيجة للسياسات المتهورة والعدائية من حكومة حزب "العدالة والتنمية" الإخواني الميل، الأيديولوجي التوجه. فمن التآمر مع أميركا أوباما لتفوير الشعوب العربية وتقسيم بلدانها وقلب أنظمة الحكم فيها، الى الغزو والاحتلال لأجزاء من سوريا والعراق، الى دعم الجماعات المارقة في ليبيا وسيناء والصومال وغزة ولبنان، والتدخل المباشر في الشأن المصري والخليجي واليمني والتونسي والمغربي. ومن استغلال قضية خاشقجي للإساءة الى القيادة السعودية والقضاء السعودي، الى تحريض الشرق والغرب على السعودية والإمارات ومصر. وفي النهاية نفد الصبر وفاض الكيل فكان لا بد من القطيعة. 
وكنتيجة، توقف الزحف السياحي والاستثماري العربي الى بلاد الأناضول، وتعطلت قوافل التجارة البينية، وانقطع نشاط الشركات التركية في مشاريع التنمية العريية، واستنزفت البنوك التركية أرصدتها من العملات الصعبة للشركات والأفراد الأجانب وبخاصة الخليجيين. وتحولت البوصلة الى أسواق دولية منافسة، وقد لا تعود.  

الباب الموارب
ومع ذلك، لم يقفل العرب المتضررون من الممارسات التركية الباب أمام المصالحة والعودة. فتركيا التي سلكت طريق التنمية والتعاون الإقليمي، واتبعت سياسة "صفر مشاكل" مع جيرانها والمجتمع الدولي في العقد الأول من القرن الجديد، نجحت في النهوض باقتصادها وطوّرت علاقاتها الدولية وكسبت تعاطف العرب والمسلمين ودعمهم. وخلال تلك الفترة التي سبقت تورطها في مؤامرة "الربيع العربي"، كانت قاب قوسين أو أدنى من دخول الاتحاد الأوروبي، بكثير من مزايا العضوية الكاملة، وحازت مكانة مميزة في المنظمات الإسلامية والدولية، وانضمت الى مجموعة العشرين. كما ارتفعت نسبة الاستثمار الدولي والخليجي، وارتفع عدد السياح والزوار الى معدلات غير مسبوقة في تاريخها. وتم التباحث مع السعودية على مشاريع تصنيع عسكرية ضخمة، وتعاون كبير في مجال الطيران والبناء والزراعة والطاقة. 

انعكس هذا كله على تحسن أحوال المعيشة وجودة الحياة، ورضا الناخب التركي عن قيادته. وفاز الحزب الحاكم وحلفاؤه في أكثر من دورة برلمانية، وتم التجديد للرئيس رجب طيب أردوغان، والتصويت لمصلحة التعديلات الدستورية التي صاغها لضمان بقائه في الحكم الى ما بعد 2030، وبصلاحيات رئاسية شبه مطلقة. 

سياسة "تكبير" المشاكل
إلا أن المسار التصاعدي لمكانة تركيا السياسية والاقتصادية أخذ منحنى الهبوط بعدما تغيرت سياسة تصفير المشاكل وحيادية العلاقات الدولية ومصالحة الجميع. وهكذا وجدت أنقرة نفسها في حالة تصادم على الجبهات كافة. فقد استعدت الدول العربية وتضاربت مصالحها مع إيران في سوريا والعراق وأذربيجان، واصطدمت بالدب الروسي بعدما أغضبت الناتو وأوروبا، فخسرت دعمهما، واضطرت للاعتذار المهين عن إسقاط الطائرة الروسية بعد عقوبات اقتصادية قاسية. وأدى التنمر العسكري تجاه دول الجوار وشرق المتوسط وفي ليبيا والقرن الأفريقي ووسط آسيا وتركستان الشرقية، الى تشتيت الجيش وإضعاف الاقتصاد وتوليد خلافات مع قوى إقليمية وعظمى.

تسبب ذلك كله بارتفاع كبير في موازنة القوات المسلحة والأجهزة الاستخبارية والأمنية، وانخفاض في أعداد السياح الأجانب والاستثمارات الخارجية. كما فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية مؤثرة. وأدى تخبط قرارات البنك المركزي وفقدانه استقلاليته عن صانع القرار السياسي، الى مواقف صارمة من البنوك والصناديق الدولية.

الليرة الضحيّة
وداخلياً، قاد التنمر السياسي والأمني ضد الأكراد والأحزاب المعارضة والإعلام، بخاصة بعد محاولة الانقلاب في 2015، والسياسات المالية والنقدية الخاطئة، والتعامل المرتبك مع جائحة كورونا، الى انخفاض حاد في شعبية الحزب الحاكم. اتضح مقدار التدهور في خسارة مرشحي الحزب، وكانوا من أبرز رموزه، انتخابات بلديات أكبر المدن، وأهمها اسطنبول وأنقرة. وأدى ذلك كله الى انقسامات حزبية قادت بعض القيادات التاريخية، مثل عبد الله غول وعلي بابيجان وداود أوغلو، الى تشكيل حزبين جديدين، وضم عشرات النواب المعارضين لسياسات الرئيس. وتشكل تحالف جديد للمعارضة يضم رموزاً أحرزت شعبية كبيرة، مثل عمدة اسطنبول الجديد أكرم إمام أوغلو.  

أما الليرة التركية فقد دفعت أغلى الأثمان، إذ انخفض سعرها الى الربع عما كانت عليه في 2010، وأطاحت الجهود المليارية لدعمها من الاحتياط العام رصيد البنك المركزي من العملات الصعبة، وخفضت الديون السيادية المقدرة بمئات مليارات الدولارات من التنصيف الائتماني للدولة، وأنهكت حملات مقاطعة المنتجات التركية الميزان التجاري للبلاد.   

مراجعة وتراجع
وفي هذه الظروف الصعبة، ظهرت بوادر مراجعة شاملة للمسار الذي قاد الى هذا الانهيار، بخاصة في شقه الخارجي. وطبيعي أن لا يكون التراجع بلا ثمن. فعملية ترميم العلاقات مع مصر والإمارات والسعودية دفعت أنقرة الى تقليص الدعم والحماية لجماعات الإسلام السياسي داخل البلاد وخارجها، وتكميم أبواقها الإعلامية، وتلطيف الخطاب الإعلامي والسياسي تجاه هذه الدول. 

كما دفعت الرغبة في تحسين العلاقات مع أوروبا وأميركا الى "تخفيف" حدة العمليات العسكرية والاستكشافية في شرق المتوسط، ونبرة التهديد المستمر بفتح الحدود الأوروبية للاجئين. وقادت الرئاسة ووزارة الخارجية والاستخبارات حملات تشاور وتعاون ومصالحة مع الجميع، بدأت تثمر  تحسيناً لمناخ العلاقات البينية، وتسفر عن عودة الاستثمارات الإماراتية، والعلاقات الدبلوماسية مع مصر، ولقاء قمة مرتقب مع إسرائيل.  

قطار العودة
أجواء التفاؤل لم تنعكس بعد على الاقتصاد التركي، فالليرة ما زالت تراوح مكانها، والسياحة لا تزال معطلة، والفوائد مرتفعة، والاستثمارات متراجعة. إلا أن كل هذا يمكن أن يتغير قريباً، إذا تحققت انفراجات أوسع في العلاقات الدولية والمصالحات الداخلية، وتباعد أكبر عن التدخلات الخارجية، السياسية والعسكرية، وتوقف تام عن العنتريات الدبلوماسية والعلاقات السرية مع الميليشيات الأجنبية وجماعات الإسلام السياسي. فمع عودة السائح والمستثمر والدبلوماسي والتاجر العربي والدولي، ستضخ الدماء في عروق المال والأعمال، وتزول الغيوم التي لبّدت سماء هضبة الأناضول طوال العقد الماضي.

تركيا دولة مهمة وشريك هام في منطقة تضطرب بحورها بالأعاصير والفتن، وتحاصرها التهديدات من كل اتجاه. ونظراً الى تقاطع مصالحها مع مصالح البلدان العربية المجاورة والبعيدة، ستستفيد حتماً من إعادة تأهيل الجسور وفتح المسارات الشعبية والحكومية، التجارية والسياحية، الدبلوماسية والأمنية، ومن استعادة دورها الرئيسي الهام في حماية الأمن الإقليمي، ومواجهة التدخلات الدولية، والنأي بالمنطقة عن الصراعات القطبية. 

وكل ما تحتاجه في هذه المرحلة توافر إرادة حقيقة مخلصة لاستعادة ما ضاع، والعودة الى سياسات أثبتت نجاحها، تقوم على التعاون والتكامل لا التدخل والهيمنة، والثبات عليها. وحينها فإن قطار المصالحة، الذي انطلق في العلا شمال المدينة المنورة، يمكن أن يستلهم التاريخ ويعود على المسار الذي ربط المدينة النبوية باسطنبول مروراً ببلاد الشام، حاملاً رسل السلام والتجارة والتنمية. 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم