إعلان

أيلول 1970 الشهر القاتل

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
أردنيون يودعون مقاتلي منظمة التحرير في أيلول 1970
أردنيون يودعون مقاتلي منظمة التحرير في أيلول 1970
A+ A-
 كان شهر أيلول (سبتمبر) 1970 مليئاً بالاحداث التي لا يزال صداها يتردد الى اليوم، خصوصاً في لبنان. كان ذلك قبل نصف قرن بالتمام، حين كانت بداية النهاية للبنان. خرج المسلحون الفلسطينيون من الأردن بضغط من "الجيش العربي"، وهي تسمية الجيش الأردني. كذلك، توفّي جمال عبد الناصر الذي خلّف تركة ما زالت المنطقة كلّها تعاني منها. تكفي مسؤوليته عن حرب 1967 التي تبقى آثارها ماثلة يومياً، نظراً الى أن تلك الحرب تسببت باحتلال إسرائيل للقدس الشرقية والضفّة الغربية اللتين ما زالتا محتلتين...
 
توفّي جمال عبد الناصر في الثامن والعشرين من أيلول 1970  بعد اختتام قمّة عربية انعقدت في القاهرة كان الهدف منها وقف الاشتباكات بين المسلّحين الفلسطينيين التابعين لمنظمات عدّة من جهة و"الجيش العربي" من جهة أخرى. انتهت القمّة من دون فائدة تذكر، ذلك ان ما كتب كان قد كتب. لو ترك الملك حسين موضوع المسلّحين الفلسطينيين من دون حسم، لما كانت المملكة الأردنية الهاشمية لا تزال موجودة ولكان تحقّق ما سعى اليه دائما اليمين الإسرائيلي، أي جعل الأردن "الوطن البديل" للفلسطينيين.
 
كان هناك غياب تام للرؤية العربية الواضحة لما يعنيه وجود فلسطيني مسلّح في إحدى الدول وشعارات مزايدة من نوع "كلّ السلطة للجماهير" وخطف "الجبهة الشعبية" طائرات مدنية الى الأردن وإجبارها على الهبوط في أرض صحراوية وتفجيرها حيث كانت في الماضي قاعدة جويّة بريطانية.
 
نجح الأردن حيث فشل لبنان الذي انتقل إليه الثقل الفلسطيني المسلّح في وقت كان سليمان فرنجيّة الجدّ يستعد لتولي رئاسة الجمهورية بعد انتخابه بفارق صوت واحد في مجلس النواب.
 
 كان سليمان فرنجية الخيار الأسوأ في تلك المرحلة، نظراً إلى انّه لم يكن يمتلك أي خبرة في السياسات العربية. كان سليمان فرنجية رجلاً وطنياً، بالمعنى المحلّي الذي لا يتجاوز حدود القرية. كان يعرف لبنان من دون شكّ، لكنّ معرفته هذه لم تكن كافية في تلك المرحلة لفهم ما يدور في الشرق الأوسط والعالم والسعي الى تجنيب البلد الويلات التي ما لبثت أن حلّت به تباعاً. ففي 1970، استطاع حافظ الأسد أيضاً احتكار السلطة ابتداء من تشرين الثاني (نوفمبر) من تلك السنة. كان الرجل يتطلّع الى دور سوري في لبنان في موازاة السيطرة على القرار الفلسطيني.
 
مع هزيمة المنظمات الفلسطينية في الأردن، راحت السلطات السورية حيث كان حافظ الأسد لا يزال وزيراً للدفاع وقائداً لسلاح الجوّ، تأخذ كل مسلّح فلسطيني يدخل أراضيها وتنقله مباشرة الى لبنان. هذا ما رواه الأمير زيد بن شاكر، أحد القادة العسكريين الأردنيين الذي كان وقتذاك يقود احد الالوية المدرعة في "الجيش العربي". أكّد الأمير زيد أن السوريين لم يسمحوا لاي مسلّح فلسطيني بالمبيت، ولو ليلة واحدة، في الأرض السورية. كان لبنان هو الوجهة وكان مطلوباً إدخال أكبر عدد من المسلّحين الفلسطينيين إليه... برغبة سورية وبقرار من حافظ الأسد بالذات. ما لبث الأسد الأب أن كوفئ على منعه أي تدخل عسكري سوري في الأردن، لمصلحة المنظمات الفلسطينية، بان أصبح الرجل الاوّل والوحيد في سوريا. حصل ذلك بعد "الحركة التصحيحية" في 16  تشرين الثاني (نوفمبر) من تلك السنة.
 
كان أيلول 1970 شهرا مفصلياً في المنطقة، بما في ذلك لبنان. مع خروج المنظمات الفلسطينية من الأردن إلى لبنان، بدأ التوازن الداخلي في البلد يختلّ شيئاً فشيئاً، خصوصا في ظلّ رئيس جديد للجمهورية مصرّ على التخلّص من الأجهزة الأمنية وضباطها (المكتب الثاني) بحجة انّها لم تكن موالية له، بل للنهج الشهابي الذي رشّح رجلاً عاقلاً اسمه الياس سركيس ليكون رئيسا للجمهورية. تولّى الياس سركيس الرئاسة في 1976، لكنّ مجيئه الى قصر بعبدا جاء متأخّرا بعدما تكرّس وجود دويلة فلسطينية داخل الدولة اللبنانية، فضلاً عن ميليشيات طائفية من كلّ نوع... واستخدام حافظ الأسد الوجود الفلسطيني المسلّح ليجد ضوءا اخضر أميركياً وإسرائيلياً يسمح بالدخول عسكرياً الى لبنان.
 
نظريا، بدأ العد العكسي لنهاية لبنان مع توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969. ليس وصول ميشال عون الى رئاسة الجمهورية في آخر تشرين الاوّل (أكتوبر) 2016، سوى حلقة في سلسلة المآسي المستمرة منذ 51 عاماً وتتويج لها.
 
جاءت أحداث ما سمّي "أيلول الأسود" في الأردن وكأنّها انتقال الى مرحلة المباشرة في تطبيق اتفاق القاهرة عملياً. لم يمتلك لبنان في تلك المرحلة الدقيقة قيادة سياسية تستطيع تحديد كيف يمكن حماية البلد.
 
بعد وفاة جمال عبد الناصر، انكفأت مصر عربياً، من دون أن يعني ذلك انّه كانت لديه أي قدرة على مساعدة لبنان. لو كانت لديه أي قدرة في هذا المجال، لكان منع توقيع اتفاق القاهرة في تشرين الثاني 1969، بدل رعايته. كان ذلك سيثبت أنّ جمال عبد الناصر تعلّم شيئاً من حرب حزيران (يونيو) 1967...
 
في نصف قرن، دفع لبنان كلّ الفواتير العربية، بما في ذلك فاتورة حرب 1967 التي لم يشارك فيها بفضل حكمة رئيس الجمهورية شارل حلو. وصلت إسرائيل الى بيروت في 1982  ومع خروج المسلحين الفلسطينيين من لبنان، بدأ السلاح الإيراني يحلّ تدريجا مكان السلاح الفلسطيني وصولا الى تمكن هذا السلاح من تقرير من هو رئيس الجمهورية اللبنانية المسيحي.
 
كان أيلول 1970  شهراً قاتلاً بالنسبة الى لبنان. لا يوجد إلى الآن من هو مستعد لطرح الأسئلة الحقيقية من نوع لماذا لم توجد قيادة سياسية قادرة على استيعاب ما يدور في المنطقة في 1970؟ لماذا يتكرّر المشهد الآن؟

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم