إعلان

غرفة عمليّات الدّوحة ومشروع تسويق "طالبان"

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
عبد الغني برادر القائد الثاني في طالبان
عبد الغني برادر القائد الثاني في طالبان
A+ A-
ثمة علامات استفهام حول الدور القطري، في كتابة وإخراج المشاهد الهوليوودية للسيناريو الأفغاني، وتسويق حركة "طالبان" ككيان سياسي ذي مرجعية دينية، برعاية أميركية بريطانية.
 
سقطت كابول في أيدي مقاتلي حركة "طالبان" من دون مقاومة حقيقية، وسط اندهاش عالمي، رغم قوة الجيش الوطني الأفغاني، وتمويله وتجهيزه من قبل الإدارة الأميركية التي أنفقت ما يعادل 83 مليار دولار طيلة 20 عاماً على تطويره من دون إذكاء العقيدة الوطنية بين رجالاته ومؤسساته.
 
المعلومات التي لم تذكرها وسائل الإعلام الغربي والعربي التي اهتمت بعملية السقوط، وتجاهلت تفاصيل السيطرة الكاملة لمقاتلي حركة "طالبان" على العاصمة الأفغانية والمدن الرئيسية، من دون إطلاق رصاصة واحدة، تمت وفقاً لسيناريوات الخيانة بعدما تلقى رجال الجيش الأفغاني والقوات الأمنية تعليمات بالانسحاب النهائي من مختلف المواقع الحيوية، تسهيلاً لمهمة "طالبان" في الهيمنة على المشهد بالكامل.
 
من داخل غرفة عمليات التنسيق بين المخابرات الأميركية، وعناصر حركة "طالبان" في الدوحة، والتي ما زالت مستمرة حتى كتابة هذه السطور، بدأت القصة الحقيقية لوضع ترتيبات المشهد بدقة متناهية، بداية من إطاحة حكومة أشرف غني، ذات التوجه العلماني، وقد احتفظ فيها ممثلون عن جماعة الإخوان بعدد من الوزارات السيادية، لا سيما منصب مدير المخابرات، ومنصب رئيس الأركان.
 
قرار الانسحاب جاء بتعليمات مباشرة من قيادات أمنية محسوبة على جماعة الإخوان الأفغانية، بعد حصولها على تطمينات بمشاركة فاعلة في إدارة الدولة الجديدة، والاحتفاظ بحقائب وزارية تضمن عدم تهميش الجماعة ودورهم في الداخل الأفغاني، متمثلاً في جمعية "الإصلاح الأفغانية"، والمؤسسات التابعة لها.
 
حالة العداء التي جمعت بين "طالبان" والإخوان منذ تسعينات القرن الماضي، تبدّلت وتحوّلت إلى حالة من الانسجام التام عقب واسطة كل من يوسف القرضاوي، مؤسس "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، وإسماعيل هنية (رئيس المكتب السياسي لحركة حماس)، لاحتواء الأزمة بين الجانبين، فضلاً عن الدور القطري، في ترتيب المشهد خلال المرحلة الأخيرة، واحتضانها للمباحثات مع الإدارة الأميركية.
 
قبول "طالبان" بمنح جماعة الإخوان مساحة في الحكومة الأفغانية الجديدة، خاضع لعدد من الدوافع، أهمها حاجتها إلى لاعب أو محلل سياسي يمنحها المزيد من الشرعية السياسية، في حال تعثر قبولها من قبل بعض دوائر صنع القرار السياسي الغربي، وثانيها، عدم خبرة قيادتها في إدارة الحكم وشؤون الدولة في شكل كافٍ، ومحاولة الاستفادة من خبرات بعض الشخصيات الإخوانية التي أدت دوراً سياسياً في الحكومات السابقة.
 
ثالها، يتمثل في رغبة الإدارة الأميركية وبعض دول الاتحاد الأوروبي، التي رحبت مبدئياً بصعود "طالبان" بعد تطمينات واشنطن، من ضرورة تشكيل حكومة ائتلافية، يعتبر الجانب الإخواني فيها الأكثر قبولاً من البيت الأبيض الذي يسيطر عليه الديموقراطيون الحليف الاستراتيجي للجماعة.
 
ارتبطت الدوحة بعلاقة وثيقة مع "طالبان" خلال اشتعال الحوادث داخل أفغانستان في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، مروراً بتأسيس المكتب السياسي للحركة عام 2013، واحتضانها واستقبالها للقيادات المؤسسة والفاعلة عقب إطلاق سراحهم من سجن غوانتانامو، انتهاءً بإدارة مباحثات التفاوض مع واشنطن، وتمكين الحركة من الداخل الأفغاني.
 
علاقة الدوحة بمشاريع الإسلام السياسي، ليست وليدة اللحظة، لكنها انطلقت منذ سنوات طويلة بداية من ارتباطها الشديد بجماعة الإخوان، واعتبار الكثير من الباحثين، أن المشروع السياسي للدولة القطرية، يتماهى مع أهداف التنظيم الدولي، نتيجة سيطرة 8 مصريين ينتمون إلى الجماعة على مفاصل الدوحة، أبرزهم يوسف القرضاوي، وحسن المعايرجي، وعبد المعز عبد الستار، وعبد البديع صقر، وعز الدين إبراهيم، وعبد الحليم أبو شقة، وأحمد العسال، ومصطفى الأعظمي.
 
لم تكن الدوحة بعيدة من تنظيم "القاعدة"، وعلاقتها بكل من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، في ظل توجيه الاتهامات الرسمية لها من قبل القضاء الأميركي، برعاية العناصر المنفذة لحوادث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، بناءً على الاعترافات التي أدلى بها خالد شيخ محمد، المخطط الرئيسي للعملية.
 
العديد من التقارير الأميركية نهاية العقد الماضي، كشفت عن تورط الدوحة في جمع التبرعات المالية لتنظيم "القاعدة" وفروعه، وهو ما جعل رئيس لجنة مكافحة الإرهاب الأميركية، ريتشارد كلارك، خلال فترة رئاسة بيل كلينتون، يقول إن الدوحة وفّرت ملاذاً آمناً لعناصر "القاعدة"، وأنها أضاعت فرصة القبض على منفذي هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001.
 
الساحة الأفغانية مقبلة على اقتتال داخلي أشبه بالحروب الأهلية في حال تفكيك الجيش الأفغاني، واستبداله بكيانات من عناصر "طالبان"، ما يدفع لاحتمالية تشكيل الجنرالات العسكريين ميليشيات مسلحة جديدة، كما لا يمكن تجاهل استيلاء "طالبان" على 145 طائرة متعددة الأنواع و21 طائرة هليكوبتر و23000 مركبة من مختلف الأنواع، تابعة للجيش الأفغاني، إلى جانب انتشار تنظيم "ولاية خراسان"، الداعشي، على الحدود الأفغانية الباكستانية.
 
رغم هيمنة "طالبان" على كامل التراب الأفغاني، فإن ولاية بنجشير (العصية تاريخياً عليها منذ تسعينات القرن الماضي)، ما زالت خارجة عن دائرة سيطرتها، بعد محاولات إعادة إحياء جبهة "تحرير الشمال"، والتي تحتوى على أكثر من 20 قاعدة عسكرية مجهزة، ويتزعمها حالياً نجل أحمد شاه مسعود، ونائب الرئيس الأفغاني أمر الله صالح، الذي أعلن نفسه رئيساً شرعياً للبلاد.
 
تمتّع أحمد مسعود بخبرة عسكرية نظراً لدراسته في أكاديمية "ساندهيرست" العسكرية الملكية البريطانية، وحصوله على درجة علمية في دراسات الحرب من جامعة "كينغز كوليدج" البريطانية، ودرجة الماجستير في السياسة الدولية من جامعة "سيتي" في لندن، جعله مستهدفاً من قبل "طالبان"، التي حاولت خلال الساعات الماضية تحييده واستقطابه، بهدف تفكيك جبهته المسلحة تحت مزاعم مشاركته في تشكيل الحكومة الجديدة المرتقبة.
الكثير من الشواهد تؤكد أن أفغانستان عادت إلى سيرتها الأولى من كونها مصنع إنتاج قيادات ومرجعيات التنظيمات المتطرفة في التسعينات من القرن الماضي، وتحويلها في تلك المرحلة إلى حاضنة جديدة لاستقطاب الإرهابيين وتأهيلهم وتدريبهم حول العالم، تحت غطاء سياسي واعتراف دولي.
 
لا فرق بين النسخة الأولى من "طالبان" التي حكمت في تسعينات القرن القرن العشرين، ومارست أبشع جرائم العنف والتطرف ضد المواطنين الأفغان، وبين النسخة الثانية، سوى حصولها على الشرعية السياسية والدولية بجلوسها الى مائدة التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية، بهدف إعادة صياغة وطرح أبناء "الملا عمر"، وتقديمهم للرأي العام الدولي كمنظمة سياسية ذات مرجعية دينية.
 
عدد كبير من قيادات تنظيم "القاعدة" المتمركزين في الداخل الإيراني منذ سنوات طويلة، أبدوا رغبتهم مؤخراً، وفقاً لتقارير غربية، بالمغادرة إلى أفغانستان، بعد سيطرة "طالبان" على مقاليد السلطة، ما يعني أن صعود أبناء "الملا عمر"، يمثل إعادة إحياء لتنظيم "القاعدة"، على يد سيف العدل، مع اختفاء أيمن الظواهري، وعدم تأكيد وفاته حتى هذه اللحظة.
 
الانتقال إلى كابول، يُعدّ رغبة جانحة للمتشددين والمتطرفين حول العالم، في المرحلة الراهنة، بعدمات تحولت إلى غرفة عمليات مركزية، تمثل رمزاً لمكونات الإسلام الحركي، ومساعيهم في قيام "دولة الخلافة"، وتطبيق استراتيجيات الاستقطاب والتجنيد للشباب وتدريبهم وتأهيلهم على القتال والسلاح، والدفع بهم لتنفيذ عمليات إرهابية في المنطقة العربية والشرق الأوسط.
 
منذ اللحظات الأولى لصعود حركة "طالبان" إلى قمة المشهد السياسي، تعيش كابول حالة من الاستبداد الديني، في ظل ممارسة واقعية تنافي مفردات خطابها الإعلامي الاستهلاكي، الذي يحمل الكثير من الرسائل التطمينية لداوئر صنع القرار العربي والغربي، إذ إنها أعلنت نفسها "إمارة إسلامية"، وليست دولة وطنية تحترم الدستور والقانون، كما أعلنت عن تأسيس شرطة دينية ومحاكم شرعية، ولجان خاصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فضلاً عن اتخاذها قراراً بمنع نزول السيدات من منازلهن بعد التاسعة مساءً، وتفتيش منازل عدد من المواطنين، وإطلاق مقاتليها كميات كبيرة من الرصاص في الهواء، من باب إرهاب مخالفيها.
 
"طالبان" ليست تنظيماً بالمعنى المفهوم، وانتسابها للمذهب الأشعري، ادّعاء كاذب وشكلي، نتيجة انتشاره في دول شرق ووسط آسيا وشبه القارة الهندية، لكنها تيارات متماهية ومتداخلة فكرياً ومتشربة للمنهجية القطبية والسلفية منذ تأسيسها عام 1994، بحكم تأثرها بعقيدة المقاتلين الأفغان الذين تربوا في أحضان معسكرات عبد الله عزام، وأسامة بن لادن، ورموز جماعة الإخوان، أمثال برهان الدين رباني، وقلب الدين حكمتيار، وعبد رب الرسول سياف، رغم دخولها معهم في صراع وخلاف حول السلطة وليس حول العقيدة والأفكار الضابطة لمكوناتهم التنظيمية.
 
التاريخ يشير إلى ارتباط "طالبان" بتنظيم "القاعدة" فكرياً، إلى جانب تأثرها بأبجديات التفسير السياسي للشريعة، التي وضعها أبو الأعلى المودودي، كما أنها ليست تياراً قومياً، لقابليتها احتواء أبناء قوميات مختلفة ليست قاصرة على "البشتون"، فضلاً عن اعتقادها أن حكمها يمثل تطبيقاً لشرع الله ولا يجوز مخالفتها، وترى بعلمانية الأنظمة السياسية وكفرها، وتعتقد أن الشورى ليست ملزمة، ومن ثم هي ذاتها نظريات سيد قطب والمودودي، التي أقرت الحاكمية وجاهلية المجتمع.
 
لا تؤمن "طالبان" بمفهوم الدولة في ظل اعتقادها بفكرة الولاية والأممية الأصولية، كما تعتبر الديموقراطية كفراً، لأنها "تمنح حق التشريع للشعب وليس لله"، ولا ترى الحركة أهمية لوضع دستور أو لائحة لتنظيم شؤون الدولة، وترى أن القرآن والسنّة هما دستور الدولة الإسلامية، اتفاقاً مع المرتكزات الفكرية والعقائدية لتيارات السلفية الجهادية والقطبية في رؤيتها وتعاملها مع قضايا أسلمة المجتمعات.
 
أمير المؤمنين لدى "طالبان" بمثابة خليفة المسلمين، ويتمتع بالحكم مدى الحياة، ويتم عزله فقط في حالة العجز أو الموت، وتعتبر الأحزاب السياسية، جزءاً من منظومة التشريعات الوضعية التي تنازع الله في حكمه، وفقاً لما ذكره الملا عمر، مؤسس الحركة، كونها "تقوم على أسس عرقية وقبلية ولغوية، وهي نوع من العصبيات الجاهلية، الأمر الذي تسبب في مشكلات وعداء وفرقة بين الناس".
 
*كاتب مصري وباحث في شوؤن الجماعات الأصولية
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم