إعلان

طهران تستعجل تنفيذ خطتها للبنان بمساهمة صينية وروسية

المصدر: النهار العربي
راغدة درغام
راغدة درغام
عناصر من الحرس الثوري الإيراني
عناصر من الحرس الثوري الإيراني
A+ A-
تستثمر الصين وروسيا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لحسابات استراتيجية مباشرة وفي اطار علاقات كل منهما مع الولايات المتحدة الأميركية، لكن كلاهما في قلق عميق من تداعيات كلفة هذا الاستثمار على اقتصادهما لأن العقوبات الأميركية لهما بالمرصاد، ومع ذلك وقع رهانهما على طهران. باتت إيران اليوم النقطة الرئيسية في انقسام السياسات العالمية، و"الحرس الثوري" الإيراني اتخذ القرار بأن لبنان هو الواجهة الرئيسية لاستراتيجية التصدّي لأميركا التي يعتمدها ويتلقّى المعونات والاستثمارات من الصين دعماً له في هذه السياسة. روسيا مكبَّلة في لبنان بسبب تحالفها الميداني مع ايران في سوريا، وبالتالي لقد سلّمت لبنان الى إيران فيما تركّز جهودها على سوريا وليبيا وفي الموانئ والمرافق هناك. الاستراتيجية الإيرانية للبنان لا تقوم فقط على الإنذار والتهديد بأن لبنان ملك لها قطعاً عبر "حزب الله"، وإنما تنطوي أيضاً على مبدأ الاحتكار Monopolize والإسراع الى احتلال استباقي لخطط ترميم Restoration بيروت ومرفئها بأموال وورش صينية، حسبما أكّدت مصادر وثيقة الاطّلاع. فالقيادة الإيرانية في استنفار لتوظيف الفترة الزمنية من الآن الى حين انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية لتوطيد أجندتها على لبنان وفي العراق ومنطقة الخليج كي تفرض الأمر الواقع في غياب الاهتمام الأميركي عن هذه المنطقة.

 

على الذين يراهنون على انحسار التحدّيّات والمواجهات الآتية من طهران الى حين الانتخابات مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) أن يتوخّوا الحذر. فالقيادة الإيرانية قررت أن أشهر الخريف الأربعة، حتى موعد تسلّم الإدارة الأميركية- الجديدة أو القديمة – مهامها الرسمية في كانون الثاني (يناير) إنما تشكّل لطهران المساحة للانصباب على تنفيذ مشاريعها، وبعجلة. فهي قررت أن توظيف الوهن والتغيّب الأميركي عن الساحة للأسباب الانتخابية يشكّل هديّةً ثمينةً لا يمكن التفريط بها بالذات عبر التموضع مع دول كبرى كالصين وروسيا في مواجهة الولايات المتحدة من ساحات لبنان وسوريا والعراق.

 

الدول الخليجية العربية قد تكون في موقع أقل خطراً من الدول العربية الأخرى ليس لأنها ليست على خارطة إيران الاستفزازية والانتقامية، وإنما لأن لكل من الصين وروسيا علاقات اقتصادية ضخمة مع الدول الخليجية الأساسية مثل السعودية والإمارات. وبالتالي، قد تسعى موسكو وبكين وراء كبح جماح وشهيّة طهران ضد الدول الخليجية لأسباب استراتيجية واقتصادية للدولتين.

 

مصادر استخبارية شرقية أفادت أن نفوذ روسيا في هذا الإطار محدود أحياناً وقالت ان "الحرس الثوري"، بحسب معلوماتها، ينوي الانتقام من احتجاز الولايات المتحدة أربع ناقلات نفط إيرانية في طريقها الى نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا، حليف إيران. وبحسب هذه المصادر، تنطوي الخطط الإيرانية على احتجاز ناقلات نفط إماراتية ردّاً على الناقلات الأربعة وكذلك على اتّفاق السلام بين الإمارات وإسرائيل. تنبيه هذه المصادر الى مثل هذه الخطط قد يكون إحدى وسائل حماية العلاقات الروسية– الإماراتية.

 

لكن، لا روسيا ولا الصين في وارد دق ناقوس الخطر الإيراني عندما يتعلّق الأمر بلبنان. ولا هناك مؤشّر على عزم الدول الخليجية أن تعرقل خطط روسيا والصين للبنان، أوّلاً بسبب العلاقات الضخمة اقتصادياً مع هاتين الدولتين، وثانياً لأن هذه الدول لا تريد أن تكون كبش فداء في المعارك الأميركية الاقتصادية المنتظرة مع الصين وروسيا. واقع الأمر، ان الدول الخليجية لن تتمكن، ولن يكون في مصلحتها، غض النظر عن آفاق وإفرازات المعارك الآتية.

 

المعركة الآن في مجلس الأمن الدولي تقع بشأن تفعيل آلية الزناد– الإعادة التلقائية snap back  لعقوبات شاملة على إيران، طلبتها الولايات المتحدة رسمياً يوم الخميس وعارضتها الدول الاوروبية الموقّعة على الاتفاق النووي مع إيران بحجّة ان هذه الخطوة تدمّر الاتفاق النووي. بهذا الموقف الغربي، استنتجت روسيا ان هذه المعركة انتهت وان مشروع القرار الأميركي الداعي الى اعادة فرض كل عقوبات الأمم المتحدة على إيران، لن يمرّ بأي حال.

 

ولكن. لكن روسيا والصين معاً تعيان تماماً ان في جعبة الولايات المتحدة رزمة عقوبات تكرسح اقتصادهما إذا قرّرتا المضي ببيع الأسلحة الى ايران. وهما في بالغ القلق. فقد تقول روسيا ان عدم تبنّي القرار يعطيها حق بيع الأسلحة لإيران، وترد الولايات المتحدة بقولها: افعلي وادفعي الثمن. والثمن مُكلف.

 

المصادر الروسية تؤكد خشيتها من وقع العقوبات الأميركية على روسيا عقاباً لها على سياستها نحو إيران. "لا تبالوا بالمواقف الرسمية العلنية والتي هي بيانات سياسية"، قالت المصادر "فإننا سنعاني عشرة أضعاف ما تعانيه إيران إذا فرضت الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية التي في ذهنها وقطعت روسيا مثلاً عن نظام سويفت للتحويلات. فهذا يؤدّي حتماً الى انهيار الاقتصاد الروسي بِرُمّته. والأمر ذاته يُطبّق على الصين".

 

فإذا كان ثمن تبنّي روسيا والصين للجمهورية الإسلامية الإيرانية مُكلفاً بهذا القدر، لماذا المضي بهذه السياسة التي تنطوي على علاقة تحالفية ليس فقط مع طهران وإنما أيضاً مع "حزب الله" في لبنان والذي صنّفته واشنطن وعواصم عربية أخرى "ارهابياً؟" الإجابة الأولى تقع في خانة التموضع ضد الولايات المتحدة. لكن سرعان ما يستدرك البعض في الدولتين داعياً الى ربما اعادة النظر.

 

فكلفة التحالف مع إيران ومدّها بالأسلحة لتعطيها لأذرعها، "حزب الله" في لبنان، و"الحشد الشعبي" في العراق، والحوثيّين في اليمن، قد لا تبقى كلفة محصورة بالمزايدات الاستراتيجية والبهلوانيات السياسية مع الولايات المتحدة.

 

فمن جهة، لن تتمكن الدول الخليجية العربية من الاستمرار بمشاريعها الاقتصادية الضخمة مع روسيا والصين إذا استمرتا في مد إيران بالأسلحة التي تُستخدم ضد مصالح هذه الدول، بل وتهدّدها. وثانياً، لن تتساهل الولايات المتحدة– بغض النظر عن أية إدارة تحكمها– مع تدفّق الأسلحة الروسية والصينية الى إيران لتشديد قبضتها في العراق وفي لبنان، وفي سوريا أيضاً، على حساب المصالح الاستراتيجية الأميركية مهما تخيّل للحرس الثوري الإيراني أنه استولى على لبنان بمجرد أنه وضع خطّة لاحتكاره.
وعليه، قد تضطر القيادة الروسية، وكذلك القيادة الصينية، الى إعادة فرز حسابات وكلفة دعمها لسياسات الحرس الثوري الإيراني المصنَّف أميركيّاً في خانة "الإرهاب" والذي يتعهّد علناً الانتقام من أصدقاء موسكو وبكين في منطقة الخليج.

 

المصادر الوثيقة الإطّلاع تؤكّد ان إيران تضغط يومياً على الصين وروسيا في مسألة مدّها بالأسلحة لأنها قلقة من احتمال رضوخ الدولتين لضغوط كلفة العقوبات الضخمة على اقتصادهما، فتتراجعان. وبحسب المصادر، تسعى القيادة الإيرانية وراء "ضمانات" من القيادتين الروسية والصينية تؤكّد أنهما لن تتراجعا ولأنها في حاجة لإثبات نفسها مع القيادتين، انها في عجلة لإتمام مشاريعها أولاً في لبنان وقطع الطريق على أية خطوات أميركية أو فرنسية أو أوروبية هناك.

 

قد تقرر الصين ان إيران وحدها هي النافذة لنفوذها في الشرق الأوسط معتبرة ان الدول الخليجية العربية ستنصب حصراً على علاقاتها الثنائية ولن تمانع ما تقوم به بكين في تحالفها الجديد التوسّعي مع طهران. مصلحة هذه الدول أن تجلس الى طاولة رسم السياسات البعيدة المدى واعتماد استراتيجية توضيح وإيضاح للصين وروسيا بأن هذه مسألة وجودية، وليست مجرد صفقة اقتصادية. هكذا قد تضطر القيادة الصينية الى اعادة النظر.

 

أخيراً، وللتذكير باستراتيجية الحرس الثوري التي ينفّذها "حزب الله" في لبنان، انها تتضمّن العناصر التالية:
يجب ابقاء لبنان في مثلّث إيران- العراق- لبنان بأي ثمن لأنه أساسي لمشاريع النظام في طهران و"صدقيّته".
يجب أن تعرض ايران نفسها على انها مفتاح الاستقرار الوحيد في لبنان وفرصته الوحيدة لنفخ الحياة فيه مجدداً.
يجب انشاء مجموعةLebanese Task Force  تحت قيادة مرشد الجمهورية الإيرانية لتنفيذ خطّة معقدة وآليات مفصّلة لتوطيد نفوذ إيران. تتضمّن التالي: زيادة نفوذ "حزب الله" بانتخابات أو بدونها، ضرورة أن يتقدّم حزب الله قبل أية جهة أخرى "بخطة الترميم" فيما يلتهي الآخرون بانقساماتهم ومباحثاتهم الداخلية؛ تعزيز الانقسامات والنزاعات بين القوى السياسية؛ وضع رؤية بحيث يكون لبنان واجهة ومنصّة معارضة "السياسة الصهيونية في العالم الإسلامي"؛ انشاء صندوق ترميم لبنان بشقٍّ رسمي وشق غير رسمي مما يسهّل التحويلات بالذات عبر صندوق مخصص لبيروت؛ حملة اعلامية ضد المعارضين للسياسة الإيرانية.

 

هذا اضافة  الى أهداف أخرى فائقة الأهميّة على رأسها:
عزل الجيش عن الوضع السياسي عبر خطوات محدّدة.
تحييد النفوذ الأجنبي وإبراز استفراد إيران وحزب الله "بالاستقرار".
التصرّف بسرعة قبل أن تستيقظ الولايات المتحدة من سبات الانتخابات.
الأشهر المقبلة خطيرة جداً ليس فقط على لبنان، لكن لبنان تحوّل الآن الى ساحة نزاعات دولية "بهدية" تفجير مرفأ بيروت.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم