إعلان

مبادرة صينية جديدة لسوريا... دعم اقتصادي ورسائل إلى واشنطن

المصدر: النهار العربي
فاطمة الغول
الأسد مستقبلاً وزير الخارجية الصيني
الأسد مستقبلاً وزير الخارجية الصيني
A+ A-
تسعى الصين، بخطوات متسارعة، إلى توطيد علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، مستغلّة تراجع الوجود الأميركي في المنطقة وتضاؤل قوّاتها، وذلك على طريق استراتيجيتها الساعية الى صدارة العالم بعد عقود من الغياب السياسي عن الساحات الدولية والاكتفاء بالحضور الاقتصادي الفعال.
 
ويمكن قراءة لقاء وزير الخارجية الصيني وانغ يي مع الرئيس السوري بشار الأسد ووزير خارجيته فيصل المقداد السبت، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ عشر سنوات، بالتزامن مع أداء الأسد القسم الدستوري، في إطار هذه الإستراتيجية، مع تجدد الحديث عن دور محوري جيوسياسي سوري في مشروع "الطريق والحزام" الصيني الضخم.
 
الدلالات والتوقيت 
وصفت الزيارة الصينية لدمشق بالتاريخية، واكتسبت أهميتها في ظل الحصار الخانق المفروض على دمشق من الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة. كما فسّر توقيتها المتزامن مع أداء الأسد اليمين الدستورية، كتأكيد لشرعية القيادة السورية، وتأييد بكين ودعمها نتائج الانتخابات الرئاسية، ومواصلتها التزامها تجاه دمشق، لا سيما بعد مواقفها في مجلس الأمن حيث لم تتوانَ عن استخدام حق النقض "الفيتو" في مناسبات عدة.
 
كما أن زيارة وزير الخارجية الصيني دمشق كمحطة ضمن جولة شملت عواصم عربية عدة قد يشير إلى سعي بكين، ربما، الى إخراج دمشق من عزلتها العربية، وتحفيز الأصوات العربية التي باتت تنادي بضرورة عودة الحكومة السورية إلى كرسيها في جامعة الدول العربية.
 
لا شك في أن للزيارة دلالات وأهدافاً كثيرة سيتم الحديث عنها طويلاً في الأشهر القادمة، لكن ما يبرز بقوة هو تحوّل الصين لاعباً رئيسياً في سوريا، وبخاصة في فترة إعادة الإعمار المنتظر انطلاقها مع ظهور بوادر حلحلة سياسية للملف السوري.
 
مبادرة صينية 
قدم وزير الخارجية الصيني خلال زيارته مبادرة لحل الأزمة السورية، اشتملت على مجموعة من العناصر والترتيبات خلال الفترة المقبلة، قائمة على احترام السيادة السورية ووحدة أراضيها وحق الشعب السوري في تقرير مستقبله، والإسراع في إعادة الإعمار ورفع العقوبات عن دمشق بشكل فوري، بالتوازي مع مكافحة التنظيمات الإرهابية المدرجة على قائمة مجلس الأمن، كما دعمت المبادرة الحل السياسي الشامل  للقضية السورية والحوار مع المعارضة السورية من أجل تضييق الخلافات.
 
تمثل هذه المبادرة بداية تحول صيني في السياسة الخارجية تجاه دمشق، والذي جاء غداة نجاح الحكومة السورية في فرض سيطرتها على مساحات واسعة من البلاد، وتشير إلى سعب صيني لمنافسة الولايات المتحدة والقيام بدور أكبر في عملية إعادة الإعمار، بخاصة أنها تمتلك القدرة المالية والسياسية والبنى التحتية الصناعية والهندسية المطلوبة لفعل ذلك.
 
ويرى المحلل السياسي السوري أسامة دنورة، في حديث الى "النهار العربي"، أن "الدور الصيني في سوريا مرشّح لأن يكون في موقع صدارة التعاون الاقتصادي والتحالف السياسي مستقبلاً، ففي ظل العقوبات والحصار المطبقين غربياً على سورية، واللذين يستهدفان التجويع ومنع إعادة الإعمار في آن، تطرح العلاقة مع الصين فرصة لتحويل العلاقات المحدودة حالياً إلى علاقات استراتيجية تلعب فيها الصين دور الريادة في إعادة الإعمار". ويشير الى أن "الصين التي تعتمد مقاربة الشراكة بدل الهيمنة في علاقاتها الاقتصادية تستثمر مئات مليارات الدولارات في إنشاء البنى التحتية الضرورية لإنجاح مبادرة الحزام والطريق ضمن دول العبور، ومن هنا قد تمثل الصين البديل الذي يحترم سيادة الدول ويسعى للشراكة معها من منطلق الندية في ظل أحجام قد يستمر لفترة غير قصيرة للدول الغربية والعربية القادرة على المساهمة في إعادة الإعمار، فضلاً عن أن مساهمة هذه الدول في حال أتت ولو متأخرة ستكون موضع حذر وتشكيك سوري نتيجة التجارب السابقة خلال مدة الحرب".
 
مصالح متبادلة 
تشعر الصين بأنها بحاجة أكثر من أي وقت مضى للوجود في سوريا في ظل تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، مقابل شعور سوريا بالحاجة إلى الصين في ظل تدهور الوضع الاقتصادي بشكل كبير وهبوط عملتها الوطنية إلى أدنى مستوياتها تاريخياً. تبلورت هذه الحاجة المتبادلة خلال الزيارة من خلال بحث مشاركة سوريا في مبادرة الحزام والطريق، حيث أكد وزير الخارجية الصيني "اهتمام بلاده بمشاركة سوريا في هذه المبادرة نظراً الى موقعها ودورها الإقليمي المهم"، وفي الوقت عينه، شدد الرئيس الأسد على أن الصين "دولة قوية ولها موقع كبير ومهم على الساحة الدولية وسوريا تطلّع إلى توسيع مجالات التعاون معها على مختلف الصعد".
 
ويشرح الاستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة الدراسات الدولية في شنغهاي دينغ لونغ، في تصريح الى "النهار العربي"، أن "دعم الصين كدولة كبيرة وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، الحكومة السورية أمر مهم جداً، ومن خلال التوقيع على جملة من الاتفاقات الثنائية ستقدم بكين لسوريا مساعدات اقتصادية وتنموية بما فيها اللقاحات، وستشارك بنشاط في عملية إعادة بناء سوريا تلبية لدعوة دمشق".
 
وتعقيباً على الأنباء التي تحدثت عن معارضة روسيا لهذه العلاقات الناشئة، يقول لونغ: "لا أعتقد أن روسيا ستعارض تطور العلاقات الصينية السورية، لأن الصين لا تنافس روسيا في الشأن السوري بل أدوارهما مختلفة ومتكاملة، حيث تتمتع الصين بمزايا كثيرة في التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار وبناء البنية التحتية". 
 
الى ذلك، يفسّر دنورة "الدور الذي لعبته الصين في مجلس الأمن خلال المناقشات حول القرار الدولي الأخير الخاص بالمعابر الإنسانية كإشارة الى تنامي الانخراط الصيني في القضايا الدولية الهامة وفي مقدمها المسألة السورية، وهناك العديد من الملفات المشتركة التي تؤكد أهمية التعاون بين الجانبين، فمع تصاعد العدائية الأميركية تجاه الصين تصبح الدول المعادية للهيمنة الأميركية في موقع الحليف التلقائي لبكين، ومن جانبٍ آخر فإن وجود القوات التركية في كابول، ووجود ارهابيي الإيغور في سورية برعاية تركية يطرح التعاون والالتقاء في مكافحة الارهاب"، مشيراً إلى أنه "من منظور جيوبوليتيكي وجيوايكونومي فإن التوتر المحتمل في العلاقات الصينية - التركية على خلفية الملفات السابقة يطرح ضرورة إيجاد بديل او مسار موازٍ للمسار الأوسط لمبادرة الحزام والطريق، والذي يمر عبر تركيا، وهنا تبرز أهمية المسار البديل الذي يصل للمتوسط عبر العراق وسورية".
 
رسالة الى واشنطن
تشكّل سوريا للصين ساحة خصبة للضغط على واشنطن مع الأخذ في الاعتبار ضآلة الوجود الأميركي على الخريطة السورية مقارنة باحتمال الوجود الصيني الأوسع في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، ما يعني أفضلية صينية من الناحية الجيوسياسية مقابل تأثير واشنطن المحدود في هذا الملف، في المرحلة الحالية على الأقل.
 
وبالنظر إلى الخطوط الحمر التي فرضتها الولايات المتحدة على الدول العربية والإقليمية لجهة التعامل مع الحكومة السورية، فإن الخطوة الصينية يمكن اعتبارها أيضاً رسالة تحدٍ لواشنطن، تتحدد قوتها بمدى نجاح المبادرات الصينية في تخفيف تداعيات الإجراءات الأميركية السياسية والاقتصادية على دمشق.
 
وفي هذا الصدد يرى لونغ أن "سوريا استعادت أخيراً الأمن والاستقرار، خصوصاً بعد استكمال العملية السياسية بانتخاب بشار الأسد رئيساً للبلاد، ما جعل الظروف سامحة للزيارة. وترغب الصين في التعبير عن الدعم لحكومة الأسد وتقول إن موقفها مختلف عن الموقف الأميركي غير المعترف بشرعية الحكومة السورية، في ظل استمرار واشنطن في فرض عقوبات اقتصادية عليها، مقابل استعداد الصين لتقديم المساعدات لإعادة إعمار سوريا، والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية لاستئصال جذور الصراعات وتحسين معيشة الشعب السوري".
 
ويضيف لونغ أن "الصين حريصة على تطوير العلاقات مع الدول العربية والشرق أوسطية لأسباب سياسية واقتصادية، وتعتبر سوريا نموذجاً لرفض الهيمنة الأميركية والتدخل في شؤون الغير، لذا يجب أن تحظى دمشق بالدعم للحفاظ على السيادة والاستقلال وتحقيق التنمية، ما يتطلب نجاح الجهود الصينية في المقام الأول على طريق التغلب على العقوبات الأميركية التي تعد عائقاً كبيراً أمام التعاون الاقتصادي بين الصين وسورية".
 
إعلان بكين دعمها سوريا هذه المرة من قلب العاصمة دمشق، يجعل من زيارة وزير الخارجية الصيني محط انتباه واهتمام على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، مع الأخذ في الاعتبار تدخل الصين في الأزمة السورية بشكل مختلف عن حلفاء دمشق التقليديين، روسيا وإيران، لتعوّض عدم الانخراط عسكرياً بشكل مباشر، بالدبلوماسية وعبر مقعدها الأممي، لكنها على ما يبدو اليوم حريصة أكثر على الظهور ميدانياً في الحرب الاقتصادية القادمة، التي تصل تداعياتها إلى السور العظيم.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم