إعلان

​ غابة "المقامات العليا" الجافة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
حملة اعتقالات في الضفة الغربية
حملة اعتقالات في الضفة الغربية
A+ A-
التعبير الأكثر دقة عن سوء أحوال السلطة الفلسطينية جاء من مساعد وزير الخارجية الأميركي للشرق الأوسط هادي عمرو، الذي عقد الأسبوع الماضي سلسلة اجتماعات في رام الله شملت ممثلين عن المجتمع المدني، تبعتها سلسلة اجتماعات مع مسؤولين إسرائيليين، بمن فيهم منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية (الاحتلال) في المناطق الفلسطينية غسان عليان.
 
بعض الذين التقوا عمرو من الفلسطينيين تحدثوا عن سعة اطلاع الرجل وفضوله في ما يتعلق بالتفاصيل، بينما تحدث الإسرائيليون عن صدمته وقلقه التي أوجزها بتعبير "الغابة الجافة" ووضعها على طاولة الإسرائيليين، كان الأمر يشبه قرع الجرس الأخير قبل احتراق الغابة، لعل هذا ما دفعه للاجتماع مع شخص مثل غسان عليان الذي يشرف على أنشطة الاحتلال في الضفة، وهو القلق العميق الذي تملكه ودفعه للحديث مع بعض ممثلي المجتمع الفلسطيني، لقاء فيه إشارة واضحة إلى عدم الثقة بتقارير السلطة من جهة، واعتراف واضح بالمجتمع المدني كجهة معارضة لهذه السلطة، من جهة أخرى.
 
"غابة جافة بانتظار أن يشتعل شيء ما"، هذا هو انطباع ممثل إدارة بايدن عن السلطة الفلسطينية.
 
انهيار السلطة هو آخر شيء ترغب فيه إدارة جو بايدن التي أعلنت بوضوح خلال المواجهات الأخيرة وبعدها بين "حماس" وجيش الاحتلال، تفضيلها سلطة أبو مازن كجهة سياسية ممثلة للفلسطينيين يمكن التعامل معها مستقبلاً. كان هذا واضحاً من خلال إعادة ضخ المساعدات التي قطعتها إدارة ترامب، ونقد أنشطة الاستيطان في الضفة الغربية وعمليات هدم البيوت والتهجير في حي الشيخ جراح وحي سلوان في القدس، ومن خلال الوعود بإعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، التي أغلقتها إدارة ترامب وضمت أقسامها الى السفارة الأميركية، سيتأجل افتتاح القنصلية بناءً على مطالب من حكومة "بينيت/لابيد" وائتلافها البالغ الهشاشة، غابة أخرى مهددة بالاحتراق، الى ما بعد إقرار الموازنة في إسرائيل في نهاية الخريف المقبل غالباً، رغم أن بينيت سجل تحفظه الشديد عن القرار "كونه يتناقض مع اعتراف الإدارة الأميركية السابقة بالقدس عاصمة لإسرائيل". 
 
شبهة الشعر التي حملها الوصف منحته شيئاً من الدقة، يمكن أن نقول الجاذبية الإعلامية، التي ظهر فيها، حيث يصعب الحصول على مؤشرات قياس للمآلات الخطرة التي تتدحرج فيها "السلطة الفلسطينية"، والتي تسارعت في الشهور الأخيرة على أكثر من مستوى، بحيث تحوّل كل حدث بسيط في قرى الضفة وبلداتها عثرة.
 
 التشبيه يحمل ظلالاً قوية من القلق، وفي نهايات الظل الداكن للجذوع الجافة التي لا يحركها الهواء ولكنه يكسرها، وحيث لا يتدلى الثمر يتجمع اليأس والكثير من القلق.
 
احتراق الغابة الجافة سيتسبب بضرر على إسرائيل، يقول عمرو، وسيعقّد مهمة الاحتلال وسيفتح ثغرات كثيرة يصعب إغلاقها للفوضى، وسيحرم الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية من شريك مروّض يبحث عن البقاء أولوية.
 
انهيار السلطة سيعقّد الى حد غير مدروس مهمة غسان عليان القائمة على إدارة الاحتلال وحماية الاستيطان عبر التنسيق، وسيضطر لمواجهة الشارع الفلسطيني الغاضب من دون مخدات التنسيق الأمني التي تمتص الكثير من هذا الغضب. 
 
مكشوفة ومشققة، مرتبكة وغير قادرة على التصرف، هذا ما ظهرت به السلطة التي يقودها الرئيس محمود عباس خلال الفترة الأخيرة، محاولة الظهور بمظهر القوي المسيطر على الأرض المحمي بأجهزة أمنية متماسكة وحاضنة شعبية عريضة فشلت تماماً، والاندفاع أكثر بالمحاولة كخيار وحيد جرّد السلطة من مصداقيتها وشرعيتها ودفعها للتمادي في الغوص في حفرة الفشل التي تتخبط فيها، حتى وصلت الى توجيه تهمة "قدح المقامات العليا" للمعارضين واعتقالهم بناءً على ذلك، كما حدث مع أحد المرشحين للمجلس التشريعي، فخري جرادات، عشية إجازة عيد الأضحى، تهمة غريبة ومبتكرة تمنح فيها النخبة السياسية نفسها صفة "المقامات العالية"، التي يمنع "القانون" الاعتراض عليها ونقدها، بينما يقبع بقية الفلسطينيين في خانة "المقامات الدنيا" التي يسمح "القانون" نفسه باعتقالها وتجريمها وتجريدها من وطنيتها.
الأمر بكليته تحوّل الى كاريكاتير شعبي.
 
فشلت السلطة الفلسطينية الحاكمة في خلق التوازن المستحيل بين القبضة الأمنية الشديدة والبلاغة السياسية الوطنية، فشلت في إقناع شعبها بوطنيتها وشرعيتها، الشعب الذي يواجه الاحتلال من أحياء القدس الى تلال الشمال البعيدة والسوق القديم في الخليل ومسافر "يطا"، وهو، فشلها مع شعبها، ما أدى الى فشلها في إقناع  حلفائها ومموّليها بقدرتها على أداء دورها. 
المشهد الذي نشأ نتيجة هذا الفشل المركب هو الغابة الجافة التي أبصرها هادي عمرو. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم