إعلان

قائمة الأسرى في انتخابات قد لا تحدث

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
غرفة نوم نائل البرغوتي
غرفة نوم نائل البرغوتي
A+ A-
قبل أيام فازت صورة التقطها الايطالي أنطونيو فاتشيلونجر لغرفة نوم أقدم أسير سياسي في العالم نائل البرغوثي بجائزة أفضل قصة مصورة.
 
يظهر في الصورة طقم رسمي معلق في غرفة نوم نظيفة، طقم غامق وقميص أزرق فاتح، على بلاط الغرفة حذاء ملمع يناسب الطقم، الغرفة بسيطة ومشمسة وثمة ستائر خفيفة على واجهة زجاجية عريضة تمنح ضوء الشمس لوناً خفيفاً، هدوء اللون يمنح الغرفة مساحات جديدة غير مرئية ويشي بانتظار طويل. عنوان الصورة مأخوذ من زاوية عميقة يتردد مثل نداء متقطع "حبيبي".
 
نائل البرغوثي، 63 عاماً، أعتقله الاحتلال الاسرائيلي للمرة الأولى عام 1978، كان عمره حينها لا يتجاوز 19 عاماً، سيقضي في الأسر (34 عاماً) بشكل متواصل، الى أن تحرر في صفقة تبادل عام 1911، قبل أن يعيد الاحتلال اعتقاله عام 2014 إلى جانب العشرات من المحررين في تلك الصفقة، وإعادتهم الى المعتقلات وإعادة الأحكام السابقة لغالبيتهم، ومن بينهم نائل الذي أعيد له حكمه السابق بالمؤبد و18 عاماً.
 
لا يبعد بيت نائل البرغوثي كثيراً عن بيت مروان البرغوثي في قرية "كوبر"، شمال غربي رام الله، الذي دخل عامه العشرين في الأسر، والذي يحمل خمسة أحكام مؤبدة وأربعين سنة، وسيحتاج بحسب قضاة الاحتلال الى أعمار كثيرة ليتمكن من العودة الى قريته "كوبر". كبر أولاده وتزوج ابنه البكر "قسام" بينما تواصل زوجته المحامية والناشطة السياسية فدوى البرغوثي عملاً دؤوباً ومتواصلاً، تقود خلاله تياراً عريضاً يمثل توجه مروان السياسي والتنظيمي، التيار الذي ظهر بقوة في الشهور الأخيرة وانتقل من مجرد حالة شعبية عاطفية الى قائمة انتخابية بالتحالف مع عضو مركزية "فتح" ناصر القدوة والملتقى الوطني الديموقراطي، وهو التحالف الذي سيقف وراء ترشيح الأسير الأهم للرئاسة الفلسطينية في مواجهة مباشرة، غير مسبوقة، مع المرشح الثابت للجنة المركزية لحركة "فتح"، أو ما تبقى منها، محمود عباس.
 
 خلال العشرين سنة الماضية حدثت أشياء كثيرة في "كوبر"، تم بناء مدرسة ثانوية جديدة بين كروم الزيتون على طريق جديد يربط "كوبر" بقرية "برهام" ويمتد الى "بير زيت"، تم تعبيد الدرب الترابي الذي كان مروان يصعده بهيئته المشدودة ومشيته المتعجلة، وأضيء بأعمدة الكهرباء، ثمة طريق جديدة تصعد الجبل الآن نحو بيوت متطرفة في السفح مقابل المستعمرة.
 
سيكون من الصعب عليه التعرف الى الفتية الذين يقفون في المساءات على دوار البلدة القديم، بين كرم اللوز الذي دفن فيه الشاعر حسين البرغوثي والصيدلية القديمة، أو الشابات والشبان الذين يتجهون نحو جامعة "بير زيت" صباحاً في حافلات الفورد الصفراء الصغيرة، ولكنهم سيتعرفون اليه، ثمة صورة كبيرة على قماش يرفعها الفتية على المفرق المؤدي الى بيته في المناسبات الوطنية.
 الذين ولدوا صبيحة اعتقاله في رام الله اصبحوا في العشرين الآن.
 
نائل البرغوثي سيكون في موقع متقدم على قائمة "حماس" الانتخابية رفقة تسعة من الأسرى.
 
قائمة "الجبهة الشعبية" يقودها الأمين العام لـ"الجبهة" الأسير أحمد  سعدات والأسيرة القيادية خالدة جرار اضافة الى الأسيرين عاهد ابو غلمية وجمال أبو الهيجا. بحسب ما نشر أخيراً.
 
قائمة اللجنة المركزية لـ"فتح" تضم أسرى من أبناء الحركة أيضاً.
تستمد القوائم الرئيسية قوتها من الأسرى، من عزلتهم وأحكامهم ومن غيابهم، ويطل الأسرى من القوائم ليذكروا بنسيانهم. بحيث تبدو قائمة الأسرى القائمة الأكثر حرية وحيوية داخل هذه القوائم. 
 
في حال لم تتأجل الانتخابات، وهو احتمال وارد بقوة، ستكون هناك مقاعد كثيرة بأسماء السجون، وستصل من هناك أصوات حقيقية ستحمل الى قاعة البرلمان صدى الزنازين الانفرادية والأقفال الحديدية وساحات التنفس، وسيصعد الى رئاسة الفلسطينيين أسير، بحسب استطلاعات الرأي، سيكونون "هنا" محمولين على قوة أنهم "هناك".
 في الوقت نفسه ستختفي، أخيراً، فصائل أرهقت المشهد السياسي بعجزها وتهالكها ورفاهية ممثليها المكلفة.
 
17 نيسان (أبريل) هو يوم الأسير الفلسطيني، وهو حدث وطني هنا في القرى والمخيمات والبلدات والمدن، حدث اجتماعي وأحد "الأعياد" المتجددة المؤلمة، ستخرج آلاف الصور لشبان ينظرون للكاميرا بوجوه فتية، لم يعودوا كذلك، ولكنهم يواصلون شبابهم المتجدد على جدران الغرف في بيوتهم وفي مسيرات الأمهات، وصور لأسيرات يحتفظن بذلك التداخل العميق بين الأمومة والفتوة، لا يدور الزمن في صورهم ولا يتقدم بهم العمر.
 
في رام الله أوقدت "هيئة شؤون الأسرى والمحررين" و"نادي الأسير الفلسطيني" شعلة أمام ضريح ياسر عرفات، وتحدث خطباء بحضور بعض عائلات الأسرى ومسؤولين، وأطلقت فعاليات شعبية في المناسبة، كما يحدث كل عام، ولكن خلف كل هذا يتراكم الإحساس العميق بالتقصير كما يتراكم الزمن في السجون ومراكز التحقيق على طول البلاد الفلسطينية.
 
عندما تتحدث عن الأسرى والأسيرات لا يجري الأمر حول زمن محدد أو رقم مقطوع، الاعتقال يحدث يومياً، والرقم يتغير وثمة اسماء جديدة تدخل تلك السجون كل ليلة.
بحسب الاحصائيات التي تنشرها منظمات حقوقية فقد جرى اعتقال نحو 20 في المئة من الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة، و40 في المئة من الذكور منذ العام 1967. يبدو الرقم مذهلاً ولكنه حقيقي ويمكن تبين انعكاسه على الحياة اليومية للفلسطينيين.
 
قبل شهر رحل الأسير الفلسطيني الأول محمود بكر حجازي الذي أُسر عام 1965 بعد اصابته في عملية نسف أحد الجسور قرب "بيت جبرين" في مناطق الـ48، واستبدل في العام 1971 بجندي اسرائيلي أسرته "فتح".
محمود بكر حجازي كان الرقم 1 في جدول مفتوح ظل يتدحرج حتى وصل الى المليون.
الآن يوجد في معسكرات الاعتقال الإسرائيلية  4500 أسيرة وأسير بما فيهم 140 طفلاً وقاصراً و41 أسيرة.
من بين الأسرى 32 تجاوزوا العشرين عاماً وبعضهم قبل اتفاقيات أوسلو.
 
قبل أيام كسر الأسير رشدي أبو مخ زجاج البلاغة الذي يخفي العجز وقلة الحيلة التي تحيط بخطاب السلطة والمؤسسات الرسمية والحقوقية. رشدي الذي أنهى حكماً احتلالياً بـ35 سنة، اعتقل في آذار (مارس) 1986 وهو في الثالثة والعشرين وخرج في الثامنة والخمسين.
 
كان رشدي ضمن الدفعة الرابعة التي اتفق على إخلاء سبيلها في ملاحق اتفاقيات أوسلو ولكن الاحتلال لم يلتزم الاتفاق، بل إن الاحتلال مدد سجنه 12 يوماً بسبب مخالفة سير ارتكبها قبل اعتقاله.
 
زار رشدي أبو مخ قبر والدته التي توفيت السنة الماضية، وعندما وصفه الخطاب البلاغي بـ "الأسير المحرر" قال ببساطة لمحدثه: "لم يحررني أحد، انتظرت، انتظرنا ... ولم يأتِ أحد ليحررنا، لست أسيراً محرراً لقد أمضيت 35 عاماً في السجن، كان ذلك هو حكم محكمة الاحتلال".
 
انتظرنا ولم يأتِ أحد.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم