إعلان

بايدن يهرول في اتجاه إيران

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
من المحادثات النووية في فيينا.أف ب
من المحادثات النووية في فيينا.أف ب
A+ A-
 لماذا تبدو إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن وكأنها تهرول للعودة الى الاتفاق النووي بسرعة غير لافتة؟ هذا المشهد يتظهر حسب المراقبين من خلال مسارعة الإدارة الأميركية منذ الأسابيع الأولى بعد تسلّم بايدن مقاليد الرئاسة في الحادي والعشرين من شهر كانون الثاني (يناير) الفائت، الى إطلاق مسار تخفيف القيود والعقوبات على إيران. ففي نهاية شهر شباط (فبراير) الفائت، رفعت الإدارة الأميركية القيود على حركة الدبلوماسيين الإيرانيين لتسهيل حضورهم الى نيويورك للمشاركة في نشاطات الأمم المتحدة، وكما خففت القيود على الدبلوماسيين المعتمدين لدى الأمم المتحدة خلال تنقلاتهم في مدينة نيويورك. ثم سارعت إدارة بايدن الى الإيعاز للسلطات العراقية كي تفرج عن جزء من الأرصدة الإيرانية المحتجزة لدى المصارف العراقية بسبب العقوبات الأميركية، تلاها الإفراج عن أرصدة لدى سلطنة عمان، ثم أرصدة محتجزة في كوريا الجنوبية. وبلغ مجموع الأرصدة المشار اليها بين 3 و6 مليارات دولار أميركي. في مرحلة لاحقة ظهرت ملامح التساهل الأميركي مع إيران، ورغبة إدارة الرئيس بادين في عقد اجتماع  غير مباشر مع الإيرانيين بواسطة عدد من الدول الأوروبية، وقد رفضت طهران يومها الفكرة، زاعمة أن لا حاجة للاجتماع، بل إن المطلوب هو أن ترفع واشنطن العقوبات لكي تعود إيران الى التزام الاتفاق. في تلك الفترة، وخلال ثلاثة أشهر كانت إيران تواصل التصعيد الإعلامي، والميداني على حد سواء، لا سيما في الساحة العراقية، حيث كانت المنشآت الدبلوماسية والعسكرية الأميركية عرضة لهجمات من طرف ميليشيات عراقية تابعة لـ"الحرس الثوري" الإيراني، وقد ظل الرد الأميركي مرناً جداً، فيما طغى التوجه للعودة الى الاتفاق النووي فوق كل اعتبار آخر. وفي الوقت الذي كانت إيران تصعّد على مستوى رفع نسبة خروقاتها للاتفاق النووي والبروتوكولات الملحقة، فضلاً عن التضييق على فرق التفتيش التابعة لـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، ظلت واشنطن تركّز على ضرورة إطلاق مسار تفاوضي مع إيران للعودة الى الاتفاق النووي، وذلك من دون الالتفات الى اعتراضات حلفائها في المنطقة الذين كانوا ولا يزالون يحذّرون من عودة سريعة الى الاتفاق بصيغته الأساسية لعام 2015، من دون التركيز على المتغيّرات التي حصلت منذ ذلك الوقت، ومن دون التنبه الى الثغرات الكبيرة التي حفل بها الاتفاق الذي جعل منه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما هدفاً "أسمى" لعهده، الى حد أنه لم يعر اهتماماً بمصالح حلفاء أميركا التاريخيين في الشرق الأوسط. في مطلع هذ الشهر، جرى الاتفاق على إطلاق دورة مفاوضات في فيينا بين إيران ومجموعة دول 4+1، بمشاركة أميركية غير مباشرة عبر وفد يقوده مستشار الرئيس بايدن للشوؤن الإيرانية روبرت مالي المعتبر من أشد مؤيدي الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، والمؤيد بقوة لعودة الولايات المتحدة اليه بسرعة. 
 
حتى اليوم حصلت جولتان، ويتفق المشاركون فيهما على أنهما حققتا تقدماً كبيراً قياساً على ما كان متوقعاً. فقد أشار دبلوماسي مطلع  لصحيفة "بوليتيكو" الى أن المفاوضات في فيينا قطعت نصف الطريق، متوقعاً التوصل الى اتفاق خلال جولتين من المحادثات على أبعد تقدير، وقال: "في الأيام القليلة الماضية، زادت سرعة المفاوضات ووصلنا الى منتصف الطريق". من جهته، صرّح مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل قائلاً: "أعتقد أن هناك رغبة جيدة بين إيران والولايات المتحدة للتوصل الى اتفاق، وهذه أنباء سارة". أضاف: "أعتقد أن كلا الطرفين مهتمان حقاً بالتوصل الى اتفاق، وهما يمضيان من القضايا العامة الى تلك الأكثر تفصيلاً، والتي تخص بوضوح رفع العقوبات من جانب، ومن الجانب الآخر تتعلق بقضايا العودة عن الانتهاكات والالتزام بالاتفاق". 
 
وذهبت صحيفة "وول ستريت جورنال" الى أبعد مما سبق، حيث كشفت قبل يومين نقلاً عن مصادر أميركية أن "إدارة بايدن مستعدة للتخفيف من العقوبات على إيران  في قطاعي النفط والمال".
أضافت الصحيفة: "إن واشنطن منفتحة على رفع العقوبات عن البنك المركزي الإيراني، وشركات النفط، والناقلات الوطنية الإيرانية، والعديد من القطاعات الاقتصادية الرئيسية، بما في ذلك الصلب والألمنيوم".
 
ومن جهته، أشار مسؤول أوروبي للصحيفة عينها الى أن "واشنطن مستعدة أيضاً لتخفيف محتمل للعقوبات على قطاعات تشمل المنسوجات، والسيارات، والشحن، والتأمين، وجميع الصناعات المقرر أن تستفيد منها إيران بموجب الاتفاق النووي لعام 2015". 
 
انطلاقاً مما تقدم، يبدو أن الولايات المتحدة تعجّل من وتيرة التفاوض للعودة الى الاتفاق في صيغته المتفق عليها عام 2015، وحتى الآن لا تفاوض على الملفات الخلافية الأخرى مثل مسألة برنامج الصواريخ البالستية الذي تطوره إيران، أو  سياساتها التوسعية في منطقة الشرق الأوسط. في الوقت عينه، يمكن التوقف عند الموقف الإيراني الذي عبّر عنه كبير المفاوضين عباس عراقجي الذي أكد أن "المحادثات تتقدم برغم الصعوبات". ولكنه حذر من أن "طهران ستوقف المفاوضات إذا واجهت مطالب غير منطقية، أو إضاعة للوقت". 
 
في هذه الأجواء، ستعقد الأسبوع المقبل جولة ثالثة من المفاوضات، وستجتمع لجنتان، الأولى تدرس الإجراءات لرفع العقوبات الأميركية، والثانية تدرس إجراءات عودة إيران للالتزام بالاتفاق النووي لعام 2015. وثمة لجنة ثالثة تشكلت في الجولة الثانية من المفاوضات في الأسبوع الماضي مهمتها "معاجلة قضايا التسلسل في الخطوات للعودة لإحياء الاتفاق". ومن المتوقع أن يتمحور التفاوض في الجولة الثالثة حول إطار ثلاثي عناوينه: "التماثلية، والتزامن والتدرج، والاكتفاء بالمطالبة برفع القيود التي فُرضت بموجب الملف النووي وحده".
 
يستنتج مما تقدم، أن مفاوضات فيينا تتجه نحو ترسيخ إجماع يصب في مصلحة وجهة النظر الإيرانية، ويتوافق مع توجهات إدارة الرئيس جو بايدن التي تبدو اليوم  أشبه بإدارة الرئيس باراك أوباما!
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم