إعلان

التحولات التركية والغضب القطري!

المصدر: النهار العربي
محمد صلاح
محمد صلاح
علما تركيا وقطر
علما تركيا وقطر
A+ A-
لا يمكن الحكم على الخطوات التي اتخذتها تركيا في شأن تصحيح علاقتها بمصر إلا بعد وقت، فالسياسات التركية في عهد أردوغان لم تثبت على حال، وظلت عرضة للتقلب والتبدل، بل والتناقض. ويبدو أن القاهرة التي تعاطت بتحفظ مع القرار التركي بتخفيف أو وقف او منع القنوات، التي تنفق عليها قطر، وتبث من الأراضي التركية، تدرك أن أردوغان لن يجد غضاضة في أن يعود بقنواته الى المسار الذي كانت عليه طوال السنوات السبع الأخيرة اذا لم يجد أن مصالحه تحققت بفعل القرار الأخير.
 
عموماً، يدرك المتابع للشأن المصري أن الإدارة المصرية، تتضايق من سلوك القنوات التركية التي لا تعتبرها مجرد قنوات لمعارضين مصريين في الخارج وإنما منصات إعلامية لتنظيمات إرهابية على رأسها تنظيم "الإخوان"، إلا أنه على أرض الواقع لم تحقق تلك القنوات الأهداف التي أُسست من أجلها، وذهبت الأموال التي انفقتها قطر والدعم الذي قدمته تركيا لها أدراج الرياح دائماً، فالحكم في مصر صار أكثر استقراراً بمرور الوقت رغم حملات التحريض، والمشاريع الكبرى جرى انجاز العديد منها رغم محاولات الإعاقة والتخريب، والشعب المصري صار يتعاطى مع ما تبثه القنوات بسخرية وازدراء .اللافت أن القنوات القطرية التي تبث من الدوحة ولندن يبدو وكأنها شعرت بالوحدة فلم ترتح للخطوة التركية، ولم تخفِ غضبها من توقف الهجوم على مصر من المنصات المنصوبة في تركيا، فخصصت سريعاً مساحات واسعة من خرائط برامجها، ليس فقط لانتقاد القرار التركي ولكن أيضاً لإقناع الناس أنه جاء نتيجة لضغوط مصرية، من دون أن تلتفت الى أنها ظلت على مدى سنوات تسعى الى ترسيخ اعتقاد كاذب أن الحكم المصري لا يملك أي أدوات للضغط على أي دولة او جهة، او حتى شخص.
 
لم يكن المشهد القطري طبيعياً... صحيح أن هناك مصالحة جرى الاتفاق عليها في قمة العُلا، لكن الإعلام القطري لم يتوقف عن الهجوم على مصر والغمز في السعودية واللمز في الإمارات العربية المتحدة، ولم تصدق توقعات بعض المراقبين أن يكون الإجراء التركي بمثابة طوق نجاة للقنوات القطرية بحيث تسير على الدرب نفسه لتجد مخرجاً وتتسق موادها مع تلك المصالحة، فوجدوا اللهجة تزداد حدة والبرامج تكثف الهجمات.
 
عكَس ذلك المشهد الوضع الذي اختارت قطر أن تكون فيه، قبل وأثناء وبعد كل محك او قرار او إجراء يتعلق بمصر، ويبدو أن التعاطي كثيراً مع الميليشيات والتعامل طويلاً مع التنظيمات والجماعات الإرهابية أضفى بظلاله على السلوك القطري، فصارت الفوضى سائدة والعشوائية غالبة، وخلافاً للأعراف والحكمة والتماهي مع إعلان المصالحة بدا وكأن هناك اصراراً على وأد المصالحة قبل أن تصبح واقعاً حقيقياً على أرض الواقع، الى درجة غيبت الشعور بالأمل في أن هناك رغبة حقيقية في كسب ود مصر في هذا المحفل أو ذاك. دعك هنا من الانطباعات التي تخلفها تلك المشاهد والبحث في عالم السياسة وتجارب الدول والمحطات التي خاضتها الشعوب لتحاول استيعاب الأسباب التي تدفع بدولة عربية الى التأثير سلباً على النظام العربي كله، والتنقل من موقف الى آخر للوصول إلى تصرفات مؤذية للدول العربية الأخرى، فالصورة تشير الى أن ما يحدث خارج عن كل قواعد العلوم السياسية. وسواء كان الدور الذي قامت وتقوم به الدوحة، خيارها السياسي، أو فرض عليها القيام به لصالح قوى أخرى، لم يكن متصوراً أن يصل الأمر الى حد صارت تلك السياسات لا تجد مناصراً أو داعماً أو مؤيداً إلا إذا كان "إخوانياً" أو إرهابياً أو عميلاً ينتظر دائماً ثمناً لموقفه!
 
ربما في مرحلة تاريخية محددة داعبت الأحلام الدوحة بالتمدد والتوسع والسيطرة والهيمنة على الدول المجاورة، بل وصل الخيال إلى حد تصور التحكم في إدارة أمور مصر عبر دعم "الإخوان"، ومنح بعض رموز ذلك التنظيم الإرهابي الجنسية، واعتقد الناس وقتها أن قطر اعتمدت المذهب الميكيافلي وأن غايتها أن تتحول إلى دولة مؤثرة، وأنها ستكف حين يتحقق حلمها. لكن حقائق التاريخ وتطورات الأوضاع على الأرض، بعدما خفّت أعاصير الربيع العربي، أثبتت أنها كانت مجرد أحلام وأن تحقيقها لم يكن ممكناً لأنه يخالف المنطق والعقل والتفكير الرشيد، وحتى بعد الإعلان عن المصالحة ما زال الناس يطالعون عبر قنوات ومنصات قطرية ما يؤكد القناعات بأنها مسألة وقت، بل أن تركيا قد تغير سياساتها حتى قبل توقيع اتفاقات او عقد مؤتمرات لأنها أكثر برغماتية.
 
المؤكد أن الدول الأربع، مصر والسعودية والإمارات والبحرين، لن تتخلى عن موقفها، طالما أن الدوحة ما زالت تسير في الطريق نفسه الذي اختارته وطالما لم تتراجع عن دعم كل طرف أو دولة أو جماعة أو تنظيم أو ميليشيا لتشعل النار وتنشر الدمار، فإن هناك اجتماعات وزيارات متبادلة وترتيبات تتم في ملف المصالحة بعيداً من الأضواء، لكن اذا كان كل هذا الغضب خرج من الدوحة لمجرد أن قنوات ظلت على مدى سنوات تحاول إسقاط مصر وحققت فشلاً ذريعاً توقفت أو غيرت توجهاتها بقرار تركي، فكيف سيغير هؤلاء الغاضبون مواقفهم في مرحلة لاحقة؟ لا يبدو في الأفق أنهم سيغيرون شيئاً!.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم