إعلان

حاجة اليمن الى مقاربة أميركيّة مختلفة

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
حوثيون في اليمن
حوثيون في اليمن
A+ A-
 
يمكن للمبادرة السعودية، الهادفة الى تسوية الازمة اليمنية سلمياً وتوفير مزيد من العذابات على اليمنيين، مساعدة الادارة الأميركية الحائرة في استيعاب ما هو على المحكّ فعلاً في اليمن. جاء ردّ الفعل الحوثي السلبي على المبادرة السعودية ليؤكّد أن لدى هؤلاء أجندة خاصة بهم وحسابات لا علاقة لها بمصلحة اليمن واليمنيين ومستقبل البلد.

ليس لدى الإدارة الاميركية، أقلّه الى الآن، أي ردّ على الاعتداءات الحوثية، انطلاقاً من الأراضي اليمنيّة، على المملكة العربيّة السعودية. لا مشكلة في غياب مثل هذا الردّ، خصوصا أن جو بايدن لم يمض بعد اكثر من شهرين في البيت الأبيض. لكنّ المشكلة تبقى في أن الإدارة سارعت الى رفع الحوثيين عن لائحة الإرهاب التي وضعتهم عليها الإدارة السابقة قبيل رحيلها.

تبدو  المشكلة في أنّ الادارة الأميركية الجديدة في حاجة، قبل رفع الحوثيين عن لائحة الإرهاب، الى فهم ما يدور فعلاً في اليمن، وذلك منذ الانقلاب الذي نفّذه الاخوان المسلمون على علي عبدالله صالح، وكان انقلاباً على مراحل ابتداء من شباط  (فبراير )من العام 2011. المؤسف انّ الإدارة الجديدة تتصرّف انطلاقاً من رغبة في تصفية الحسابات مع إدارة دونالد ترامب بغض النظر عما اذا كانت تلك الإدارة أصابت أحياناً وأخطأت في أحيان أخرى. 

صبّ الانقلاب الذي نفّذه "الاخوان المسلمون" على علي عبدالله صالح في خدمة الحوثيين الذين لم يتوقفوا منذ العام 2011  عن تسجيل نقاط لمصلحة ايران. هذه معادلة بسيطة تبدو الإدارة الاميركية الجديدة عاجزة عن استيعابها مثلما هي عاجزة عن استيعاب التعقيدات اليمنية. تجعل هذه التعقيدات من يتعرّف على اليمن يصل الى قناعة وصلت اليها شخصياً منذ سنين طويلة. مختصر هذه القناعة انّه كلّما عرف المرء اليمن عن قرب... كلّما اكتشف كم أنّه يجهله.

ما يحدث في اليمن والذي تعبر عنه الاعتداءات المستمرّة على المملكة العربيّة السعودية، آخرها الاعتداء على مصفاة الرياض، يختزل بكل بساطة أمرين في غاية الخطورة والاهمّية في آن. الامر الاوّل الازمة الداخلية الإيرانية عميقة الى حدّ كبير، وهي ازمة نظام يحتاج دائما الى تصدير مشاكله. أمّا الامر الثاني فيتمثّل في حاجة إدارة جو بايدن الى امتلاك ما يكفي من الجرأة للتعرّف الى الأسباب الحقيقية التي تجعل الحوثيين يمارسون كلّ هذه العدائية تجاه المملكة العربيّة السعودية، وذلك منذ ما قبل وضع يدهم على صنعاء في 21  أيلول  (سبتمبر) من العام 2014.

بكلام أوضح، ثمّة حاجة الى مقاربة أميركية مختلفة للموضوع اليمني، مقاربة تضع تصرّفات الحوثيين الذي يسمّون نفسهم "أنصار الله" في اطارها الصحيح. هذا الاطار هو المشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة.

يمكن وضع الموضوع الحوثي بحدّ ذاته جانباً. لا وجود لشكّ في أنّ الحوثيين جزء لا يتجزّأ من النسيج الاجتماعي اليمني. لا شكّ أيضا في أنّ مناطقهم عانت، مثلها مثل مناطق كثيرة من الحرمان لسنوات طويلة. لكنّ الأكيد انّهم تحوّلوا مع مرور الوقت الى أداة إيرانية ولا شيء آخر غير ذلك. يتحمّل علي عبدالله صالح مسؤولية كبيرة في ذلك، خصوصا انّه وراء دفعهم في الأصل في اتجاه ايران. كان يريد إقامة توازن داخلي بعد انتصاره في حرب صيف العام  1994 على الحزب الاشتراكي اليمني الذي سعى وقتذاك الى الانفصال.

قام نظام الحكم في عهد الرئيس اليمني السابق بين 1978 و  2011 على لعبة التوازنات الداخلية التي كان يضع نفسه وحزبه (المؤتمر الشعبي العام) في وسطها كي يتلهّى خصومه وحتّى حلفاؤه ببعضهم البعض. في مرحلة معيّنة، مرحلة ما بعد حرب 1994، صار مطلوباً مواجهة التمدّد الاخواني والسلفي في مناطق ومحافظات شمالية مثل صعدة وعمران وحجة بشدّ العصب الزيدي. وهذا ما لجأ اليه علي عبدالله صالح قبل اكتشافه ابتداء من العام 2004  أنّ الحوثيين الذين تحرّكوا في البداية تحت لافتة "الشباب المؤمن" صاروا عند ايران ولم يعودوا عنده.

لا فائدة من أي سياسة أميركية تجاه اليمن من دون وضع عدوانية الحوثيين في اطارها الصحيح، أي العدوانية الإيرانية. ادّى تأخّر الإدارة الأميركية الجديدة في رفع العقوبات عن "الجمهورية الاسلاميّة" وربط ايّ مفاوضات بشأن إعادة الحياة الى الاتفاق النووي بالصواريخ الباليستية وسلوك ايران خارج حدودها الى ردّ فعل إيراني عنيف.

ليس اليمن سوى إحدى الأوراق الإيرانية، مثله مثل لبنان وسوريا والعراق. في انتظار بلورة سياسة أميركية واضحة تجاه اليمن، يفترض في إدارة بايدن التصرّف من منطلق انّ الحوثيين ليسوا سوى أداة لدى "الجمهورية الاسلاميّة". اكثر من ذلك، لا يمكن معالجة الموضوع اليمني بكلّ تشعباته في ظلّ "شرعية" من نوع تلك القائمة حاليًا في اليمن على رأسها الرئيس الموقت عبد ربّه منصور هادي. هذه "شرعية" لا تصلح لا لمواجهة الحوثيين ولا للتعاطي مع أزمات من نوع تلك التي يشهدها الجنوب اليمني حيث باب الصراع ما يزال مفتوحاً بين حكومة معين عبد الملك التابعة لـ"الشرعية" من جهة والمجلس الانتقالي الجنوبي من جهة أخرى.

يشير تطوّر الاحداث الى وجود حاجة الى مقاربة أميركية جديدة للموضوع اليمني، هذا في حال المطلوب وقف الاعتداءات الحوثية في كلّ الاتجاهات، مع ما تشكلّه من خطر على المنطقة كلّها بما في ذلك الملاحة في البحر الأحمر وعلى امدادات النفط العالمية. تحتاج مثل هذه المقاربة الى وضوح أميركي أكبر تجاه ايران من جهة والى فهم أكثر عمقا للداخل اليمني بحدّ ذاته من جهة اخرى. هل سيكون هناك استيعاب أميركي لمعنى المبادرة السعودية وتردّد الحوثيين في قبولها... أم أن الوقت وحده كفيل باقناع واشنطن بأنّ موضوع اليمن لا يمكن معالجته خارج اطار المشروع التوسّعي الإيراني!    
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم