إعلان

الجزائر... أزمة الحكم وراء التعديل الهزيل للحكومة!

المصدر: النهار العربي
أزراج عمر  
أزراج عمر  
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون
A+ A-
لا يخفى على أي محلل سياسي أن التعديل الحكومي الهزيل، والمخيب للنخب ولمختلف مكونان الشعب في الجزائر العميقة، الذي أعلن عنه الرئيس عبد المجيد تبّون يوم الأحد الماضي، وذلك بعد شهور طويلة من انتظار الرأي العام الوطني، هو عنوان كبير لثلاثة مظاهر سلبية، وهي عدم تماثل الجزائر للشفاء من أمراضها السياسية، واستمرار الصراع الخفي الدائر بين أقطاب النظام الحاكم في الجزائر في أعلى هرم السلطة وضعف الرئيس تبّون ومجموعته في رئاسة الجمهورية.
 
وتفيد القراءة الدقيقة للمشهد السياسي الجزائري الراهن أنه منذ عودة الرئيس تبّون من ألمانيا، حيث خضع للعلاج من إصابته بفيروس كورونا ومن قدمه اليمنى، وهو يوحي، من خلال تصريحاته الموجهة إلى الشعب، أنه متمسك بالتزاماته السياسية وبخاصة التزامي حلَ البرلمان بغرفتيه، وتعديل الحكومة، استعداداً للتحضير للانتخابات البلدية والولائية والبرلمانية، ولكن بات واضحاً الآن أن تلك التصريحات هي مجرد سراب لأنها لا تستند إلى أي رأسمال سياسي حقيقي الأمر الذي كشف للرأي العام الوطني أن الرئيس تبّون لا يملك حتى الآن مفاتيح اللعبة السياسية في المشهد السياسي الجزائري لأسباب كثيرة ومعقدة سنحاول مقاربتها تدريجاً.
 
منذ أيام قليلة ماضية استبشر قطاع مهم من الشعب الجزائري بعودة الرئيس تبّون إلى الحياة السياسية وبإعلانه موعد، حلَ البرلمان وتعديل الحكومة، الذي حدده في مدة تراوح بين أربع وعشرين ساعة، وثماني وعشرين ساعة، ولكن هذا الموعد لم يحترم ولم تقدم الرئاسة اعتذاراً أو تبريراً لعدم العمل به.
 
وفي هذا السياق، يرى المراقبون السياسيون الجزائريون أن عدم عمل المصالح التابعة لرئاسة الجمهورية الجزائرية بهذا الموعد ليس مجرد نزوة عفوية أو نتيجة لعدم تقديرها للعامل الزمني الذي اعتادت الثقافة الجزائرية على إدارة الظهر له، بل هو سلوك سياسي له مغزىً عميقاً ويرجعه هؤلاء المراقبون إلى الخلافات الجوهرية بين الصقور الكبار المتواجدين في سدَة الحكم حول جدوى تغيير الحكومة أصلاً قبل الانتخابات التشريعية بثلاثة أشهر فقط، وحول تقسيم كعكة المناصب الوزارية التي يُنتظر أن توظف براغماتياً في الحملات الانتخابية المقبلة على مستوى الجزائر العميقة. لصالح هذا الجناح أو ذاك.
 
وهناك من يُرجع عدم التزام الرئيس تبّون بالموعد المذكور أعلاه إلى الصراع الناشب في الكواليس بين صنّاع القرار السياسي جرّاء تباين مواقفهم تجاه الأسماء التي تضمنتها قوائم الوزراء المرشحين التي تقدم بها كل واحد من هؤلاء الصقور. ونتيجة لكل هذه الخلافات والصراعات فإن الحكومة التي أعلن عنها يوم الأحد الماضي لم تشهد أي تغيير جذري، بل كررت النمط التقليدي الذي تعوّد عليه النظام الجزائري الحاكم، وهو تكريس أسلوب تدوير الوظائف الوزارية وعدم محاسبة الوزراء على أدائهم الميداني والمركزي قبل أو بعد تنحيتهم.
 
ولا شك في أن تعيين وزراء جدد قليلين ليس لهم أي وزن شعبي أو سياسي في الحياة الجزائرية في هذه الحكومة، لا يشكل أي حدث سياسي على الإطلاق، بل أكد بقوة أن هذه الحكومة ليست شرعية بأي معيار لأنها تضم عدداً معتبراً من وزراء عهد بوتفليقة، كما بدا واضحاً من تأخير موعد الإعلان عنها أنها ليست من تشكيل الرئيس تبّون وحده، بل هي حكومة أزمة فرضتها الصراعات السياسية التي يقف وراءها صناَع القرار الحقيقيين الذين ما فتئوا يديرون دواليب السلطة من وراء الستارة منذ إسقاط حكم الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.
 
إنه لا يعقل، مثلاً، أن يترك الرئيس تبّون الوزير الأول عبدالعزيز جراد في منصبه بعد أن انتقد فشل حكومته مرات عدة في معالجة المشكلات الكبرى التي لا تزال تشكل جوهر بنية الأزمة الجزائرية على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. وفي الواقع، فإن الإبقاء على السيد جراد في منصب الوزير الأول يحتاج إلى تحليل يستند إلى حقائق لها صلة بتقاليد توزيع المناصب الحساسة في الدولة الجزائرية على أساس فسيفساء الأثنية والحزبية والجهوية والولاء للجيش والأمن. ومن المعروف أن جراد ينتمي إلى الإثنية الشاوية الأمازيغية في منطقة الأوراس وبسبب هذا الانتماء الإثني والجهوي فهو مدعوم من جناح قوي في هرم السلطة له ولاء للشريحة الشاوية ضمن النسيج السياسي والعسكري والأمني الجزائري العام وللرئيس السابق اليمين زروال المتحدر من هذه المنطقة والذي كان منذ البداية وراء اختيار جراد لهذا المنصب الحساس بعد أن شغل في عهد حكمه منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية.
 
وزيادة على هذا، فإنه ينبغي التأكيد مرة أخرى أن إبقاء الرئيس تبّون على عدد كبير من الوزراء المرفوضين من الحراك الشعبي في هذه الحكومة المعدلة شكلياً يعني في التحليل الأخير أنه قد زكّى مجدداً، وفي شكل غير مباشر، معظم الوزراء المحسوبين على حكومة مرحلة الرئيس بوتفليقة وعصابته، وبذلك يكون قد تخلى عن وعوده التي وعد بها الشعب الجزائري أثناء حملته الانتخابية حيث التزم حينذاك بطرد هؤلاء من مؤسسات الدولة إذا فاز بالانتخابات الرئاسية.
 
وهناك من يرى أن ما يحدث حالياً، من خلط للأوراق في المشهد السياسي الجزائري، هو أمر مقصود ومخطط له وتنفذه دوائر لها القدرة على الحركة المؤثرة داخل أجهزة الدولة المفصلية، وتحرّك هذا السيناريو بجرعات تدريجية من أجل إظهاره كرئيس ضعيف تمهيداً لخلق مناخ يفضي إما إلى إطالة وتعميق أزمة الحكم في البلاد لصالح هذه الدوائر على المدى البعيد، أو إلى استغلال عودة الحراك الشعبي مجدداً واستخدام ظروف عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي حجة لجر الجيش تدريجياً لإعلان حالة الطوارئ التي تؤدي إلى إنهاء ولاية تبّون الرئاسية قبل الأوان.
 
الكلمات الدالة