إعلان

هدية لتيموثي ليندركينغ!

المصدر: النهار العربي
محمد الرميحي
محمد الرميحي
تيموثي ليندركينغ
تيموثي ليندركينغ
A+ A-
السيد تيموثي ليندركينغ هو مبعوث الرئيس الأميركي جو بايدن إلى اليمن، وهو دبلوماسي مخضرم عمل في وقت ما الرجل الثاني في سفارة الولايات المتحدة في المملكة العربية السعودية، وليس غريباً عن المنطقة.
 
الهدية التي أريد تقديمها له تقع في جزءين، الأول هذه الرسالة والثانية كتاب صدر تقريباً قبل مئة عام، وهو كتاب الرحالة اللبناني - الأميركي أمين الريحاني. في كتاب الريحاني الممتع الذي اقترح لكل من يريد أن يعرف جزيرة العرب أن يعود اليه وعنوانه "ملوك العرب" يقول في مقدمته، إنه كان يعد لرحلة طويلة الى الجزيرة العربية بدءاً من جنوبها، وصدف أن ذهب الى احدى مكتبات نيويورك التي تبيع الكتب العربية وهناك دخل رجل يبدو من لهجته الثقيلة كما يقول الريحاني انه عربي، فسأله الريحاني من أي بلاد أنت، أجاب، من اليمن... سرّ الريحاني، وقال له أنا أعد نفسي لرحلة الى هناك... حدثني عن اليمن. قال الرجل بلادنا جميلة فيها وديان وجبال ومياه صحية وقبائل... قال ماذا تعملون، أجاب الرجل، نحارب؟ تحاربون من؟ أجاب الرجل اليميني، نحارب الدولة العلية "تركيا" فإن لم تكن فنحارب بريطانيا، وإن لم تكن فنحارب بعضنا بعضاً!
 
ذلك ما سطّره الريحاني في مقدمة كتابه قبل مئة عام، إلا أن الكتاب بوصفه زيارة اليمن حافل بالمعلومات الشيقة. موضوعياً بعد مئة عام لم يعد اليمن، خصوصاً منذ الثلث الأخير من القرن العشرين "إمامياً" كما كان وقت زيارة الريحاني، فقد تغير في الكثير من أوجهه. بعض القبائل خصوصاً تلك المقاتلة اختفت تقريباً، وظهرت قبائل جديدة لها تسميات منها القومية والبعثية ومنها الإسلامية ومنها أيضاً الاشتراكية، وهي قبائل من نوع آخر أضيفت الى أسماء القبائل الأخرى. وخاض أهل اليمن معركة التحديث، وفشلت نخبتهم في أن تصل الى هدف الدولة الوطنية الحديثة، فقد كانت بين شد وجذب، بين العودة الى الماضي بأثواب مختلفة وبين الذهاب الى المستقبل، إلا أن النتيجة النهائية، حتى الآن على الأقل تبدو في معادلة صفرية وهي "أن النظام السابق يرفض أن يموت والنظام المأمول متعسر الولادة"، وبين الشد القبلي والمناطقي وبين فرض الماضي بكل تفاصيله كما يرغب الحوثيون أن يفعلوه، يتوه اليمن ويموت اليمنيون.
 
النخبة اليمنية الحاكمة في مرحلة "القومية" إن صح التعبير، كانت ترغب في أن تؤدي دوراً اقليمياً أكبر من قدرتها. فقد وجدنا بعد تحرير الكويت نصاً وهو عبارة عن محضر اجتماع لموفدين لعلي عبدالله صالح الى صدام حسين، هما عبدالكريم الأرياني وعلي سالم البيض. باختصار قال الأرياني في نهاية اللقاء لصدام حسين: "نود أن تمتد الحدود العراقية الى منتصف الجزيرة العربية، وتحاذي حدود اليمن!"، أي ما يعني تقسيم الجزيرة كما يقترح السيد الأرياني إلى قسمين، شمالي عراقي وجنوبي يمني!. هكذا هي الأوهام في الزمن الذي اتسم بسيولة سياسية مرتفعة وأفكار "بيزارية" منقطعة الصلة بالواقع. الوثيقة منشورة في جريدة صوت الكويت ونسخة من الجريدة في المكتبة الوطنية، للعلم والتوثيق. اليمن بلاد صعبة كثيفة السكان فقيرة الموارد تهرب نخبتها أو كثير منهم الى الأوهام من "اشتراكية" تقرر تأميم حتى سفن صيد السمك الصغيرة الى أممية تريد أن يتوحد الجوار تحت رايتها في الإسلام الحركي... بلد التعامل مع نخبها من أصعب الأمور.
 
إذا قرر افتراضاً السيد تيموثي أن يُمكّن الحوثيين من السيطرة على اليمن وبمساعدة النظام الإيراني، فذلك لن ينهي الحرب. النظام الإيراني يرغب في استخدامهم لتوسيع مشروعه في جزيرة العرب، لذلك لن تنتهي الحروب، كما أن خطورة رفع تصنيف الإرهاب عن المجموعة الحوثية واستمراره على القيادات، هو على أبسط ما يُقال سذاجة سياسية، لأن القيادة في هكذا مجتمع هي الرأس وهي الجسم وهي كل شيء تقريباً، فما هي الرسالة التي يمكن أن تُفهم من هكذا خطوة؟. كما أن بيت القصيد هو أن قرار الحوثي ليس بيده بل بيد طهران، كما اكتشف مارتن غريفيث المبعوث الخاص للأمين العام لليمن، وما التصعيد الأخير حول مأرب إلا جزء من معزوفة "رفع سقف المساومة" الإيرانية تجاه الإدارة الجديدة في واشنطن.
 
لقد تاه ثلاثة من المبعوثين الدوليين إلى اليمن حتى الآن، في البحر السياسي اليمني المتلاطم بلا نتيجة، ولا أعتقد أن السيد مارتن غريفيث سيكون الأخير. اذا كان للسيد ليندركينغ معرفة بالملف اليمني، فلا شك هو يعرف الشعار المنتشر في شوارع صنعاء (الموت لأميركا والموت لإسرائيل) وهو شعار صُكّ في طهران وفقط صداه هو في صنعاء، فمن أين يبدأ في مهمته الصعبة؟
 
القلق ناجم عن أننا امام إعادة تجربة فشلت في عهد السيد باراك أوباما وهي تقع في مجال التجربة الخطأ، ولكن إعادتها من جديد سوف تكلف المنطقة أثماناً باهظة، فمن سوء التقدير هو فعل الشيء بالطريقة نفسها وانتظار نتائج مختلفة!.
 
نسخة طبق الأصل للسيد تيموثي ليندركينغ.
 
الكلمات الدالة