إعلان

لماذا يرفض جمهور "حزب الله" النقد ‏الذاتي؟

المصدر: النهار العربي
حسن المصطفى
من جمهور "حزب الله" في أحد احتفالاته
من جمهور "حزب الله" في أحد احتفالاته
A+ A-

قاسم قصير، صحافي وكاتب لبناني، هادئ بطبعه، ‏يبحث عن الحلول الأقل كلفة، والتي توصل إلى الضفة ‏بسلام، ودون إراقة دماء أو ضغينة.‏

 

لمن لا يعرفه، هو أحد الذين انشغلوا لسنوات ‏طويلة بمراقبة خطاب الحركات الإسلامية السياسية، ‏وتحديداً في الأوساط الشيعية، وخبرها كثيراً، بحكم ‏كونه بشكل أو آخر جزءاً منها، ويعيش في البيئة ‏الاجتماعية الحاضنة لها، وأيضاً إيمانه الشخصي ‏بشيء من خطابها، وإن تباين معها في بعض المفاصل.‏

 

كان قاسم قصير، ولا يزال ضيفاً على عدد من ‏القنوات التلفزيونية. حتى تلك الفضائيات التي لا ‏تستضيف قيادات "حزب الله" ونوابه، لأسباب سياسية ‏أو قانونية، كان لقصير مقعد دائم فيها، بصفته ‏شخصية تستطيع أن تقدم وجهة نظر مبنية على ‏معلومات من مصادر قريبة من "حزب الله". ‏

 

هذه الشخصية البعيدة عن الشغب، القريبة من ‏المحافظة؛ انهالت عليها سهام النقد، عندما شارك ‏في حوار عبر شاشة "الشبكة الوطنية للإرسال ‏NBN‏"، ‏في كانون الثاني ( يناير) الجاري، انتقد فيه بعلمية وهدوء نهج "حزب ‏الله" السياسي، وطريقة تعاطيه مع عدد من الملفات ‏الأمنية والإقليمية، داعياً قيادته إلى مراجعة أدائها ‏وخطابها، وأن تعود إلى لبنانيتها، معتبراً أن طبيعة ‏العلاقة القائمة مع نظام الجمهورية الإسلامية في ‏إيران، لم تعد صالحة، ولا بد من إعادة صياغتها بما ‏يتوافق مع الظروف المستجدة ومصلحة لبنان.‏

 

كان حديث الباحث قاسم قصير، فيه الكثير من ‏‏"النقد الداخلي"، أي ذلك الذي يصدر من شخصية ‏تريد للهيكل أن لا ينهدم على سكنته. ‏

 

لم يكن قصير انقلابياً في آرائه، أو راديكالياً، بل، ‏قدم نصائح المحب والمخلص لوطنه وشعبه؛ إلا أن ‏ردة الفعلِ تذكرنا بمحمود درويش عندما كتب " أنَا ‏يُوسُفٌ يَا أَبِي. يَا أَبِي، إِخْوَتِي لَا يُحِبُّونَنِي، لاَ يُريدُونَنِي ‏بَيْنَهُم يَا أَبِي. يَعتدُونَ عَلَيَّ وَيرْمُونَنِي بِالحَصَى وَالكَلَامِ ‏يُرِيدُونَنِي أَنْ أَمُوتَ لِكَيْ يَمْدَحُونِي. وَهُمْ أَوْصَدُوا بَابَ ‏بَيْتِك دُونِي. وَهُمْ طرَدُونِي مِنَ الحَقْلِ. هُمْ سَمَّمُوا عِنَبِي ‏يَا أَبِي"‏.

 

جزء واسع من جمهور "حزب الله" عبر شبكات ‏التواصل الاجتماعي، شن هجوماً لاذعاً ضد قاسم ‏قصير، الأمر الذي اضطره إلى أن يصدر بياناً ‏توضيحياً، أقربُ إلى الاعتذارية المشوبة بشيء من ‏الحسرة!‏

 

ليست المرة الأولى، التي ترفض فيها شريحة ‏واسعة من أنصار "حزب الله"، الاستماع إلى وجهات ‏النظر المغايرة لها.‏

 

شخصيات لبنانية سبقت قصير، مثل الراحلين ‏السيد هاني فحص، والشيخ محمد مهدي شمس الدين؛ ‏كلاهما تعرضا لحملة تشويه واسعة من قبل ‏المتشددين، بسبب مواقفهما المستقلة عن قرار "حزب ‏الله"، وإن كان لكل واحد منهما طريقته الخاصة في ‏التعبير عن آرائه.‏

 

المرجع الديني الراحل السيد محمد حسين فضل ‏الله، ورغم ما حظي به من شعبية واسعة، وكونه ‏فقيهاً يرجع له في الفُتيا، إلا أنه هو الآخر لم يكن خارج ‏دائرة نقد مجاميع محسوبة على الحزب، بسبب ‏استقلاليته عن القرار الإيراني، وجرأته أن يكون مرجعاً ‏عربياً لا يتبع أوامر مرشد الثورة آية الله علي خامنئي!‏

 

شخصيات عدة، مدنية، ليبرالية ويسارية وأخرى ‏أكاديمية مستقلة، لبنانية، شيعية، هي الأخرى، لم ‏يكن لما تطرحه من أفكار نقدية إلا الممانعة، وعدم ‏الإصغاء لكثير منها، بل كانت التهمة حاضرة تجاه عدد ‏منهم بأنهم "شيعة السفارة" ومجرد "عملاء"، وهي ‏تهمُ تهدفُ لتشويه السمعة والتسقيط والاغتيال ‏المعنوي.‏

 

السؤال لماذا كل هذه الممانعة ضد النقد، الذي ‏هو بالأساس تصرف صحي، وسلوك طبيعي، لأنه ليس ‏هنالك على وجه البسيطة من شخصية معصومة، ‏وليس هنالك من حزب سياسي أو ديني لا يخطئ، ‏وبالتالي فمن حق الناس أن تبدي وجهات نظرها ‏بحرية ودون أي قلق أو خوف. وهو بحث يستحق ‏مقالة مستقلة، تقرأ "سيكولوجية القلق والتعصب" ‏التي تجعل من جمهور "حزب الله" أشبه بالكتلة ‏الصماء، فيما الحقيقة أن اللبنانيين مجبولون على ‏الاختلاف والتنوع والتعدد، رغم ما مروا به من ‏صراعات وحروب أهلية.‏

 

ما حدث للصحافي قاسم قصير، يعطي إشارات ‏سلبية، بأن جمهور "حزب الله"، في قطاع واسع منه، ‏ليست لديه القابلية لأن يخرج من ضيق النظرة ‏الأقلوية المذهبية، وأن يصغي للمختلفين، حتى من ‏هم من أبناء ذات الدائرة، وهو ما يعني الانحياز نحو ‏صيغٍ أكثر راديكالية وأحادية، وهو أمر يدعو للقلق، ‏ويستحق المراجعة.‏

 

هنالك توجسٌ عام لدى جمهور "حزب الله"، وهو ‏أشبه ما يكون بالقلق العصابي المرضي في جزء منه، ‏لأنه غير مبني على وقائع حقيقية، أو معطيات ‏سياسية مقنعة ومتينة. فحملة التخويف من أن ‏هنالك من يريد إبادة اللبنانيين الشيعة أو تحويلهم إلى ‏مجرد حفنة خدمٍ لبقية شركائهم في الوطن! وهي ‏دعاية سمجة، ساذجة، لا تستحق أن يقف المرء ‏عندها لتفنيدها.‏

 

على "حزب الله" أن يصغي إلى أصوات اللبنانيين ‏الوطنيين، إذا أراد أن يستمر كلاعب رئيس في الساحة ‏الداخلية، وأن يدرك أن المدخل هو الاندماج في كيان ‏الدولة، واحترام النظام، وتقوية الجيش، وإيجاد حل ‏عملي سياسي لسلاحه، الذي يجب أن يكون جزءاً من ‏الجيش النظامي الرسمي، وليس تشكيلاً خارجاً عن ‏سلطة القيادة السياسية للدولة اللبنانية. وأيضاً، أن ‏يكون حزباً ذو أجندة لبنانية سلمية مدنية داخلية، ‏وليس مجرد فصيل من فصائل الحرس الثوري ‏الإيراني، أو جندياً مطيعاً للولي الفقيه. لأنه يجب أن ‏يكون لبنان أولا بالنسبة له، قبل أي مكان آخر.‏

 

هنالك أزمة حقيقية لدى كثير من الحركات ‏الإسلامية، بل، تعم عددا لا بأس به من الأحزاب ‏العربية، وهي، رفضها المراجعة والنقد الذاتي، وعدم ‏قدرتها على الجلوس وقراءة تجربة السنوات السابقة ‏ببصيرة وعقل وروية، بعيداً عن الانفعال أو العواطف. ‏لذا، نجد الكتابات ذات الطابع المنهجي، العلمي، ‏شحيحة؛ فيما تكثر إما مقالات التبجيل والمديح، أو ‏المقابلة لها المغرقة في العداء والهجاء.‏

 

الساحة العربية، بحاجة ماسة لكتابٍ وسياسيينَ ‏وباحثين على قدر من المهنية والعلمية والمناقبية، لا ‏يخجلون من قراءة التجارب السياسية والعسكرية ‏والدينية والثقافية بتجرد، ودون تحزب، وبعيداً عن ‏تبجيل الذات أو كراهية الآخر. قراءة تجعل النقد ‏ومكاشفة الذات ممارسة صحية طبيعية، لأنه دون أن ‏نتلمس مكامن الخلل في تجاربنا، ستغرق السفينة، ‏ويصيب الخلل مفاصل الدولة، وحينها تعم الفوضى، ‏وتتراجع التنمية، ويتحول المجتمع إلى بيئة خصبة ‏للتطرف والعنف والإرهاب والفساد والمحاصصة، ‏وتتحكم المليشات بحيوات الناس ومصائرهم!‏      ‏ ‏

الكلمات الدالة