إعلان

العقد العربي المظلم

المصدر: النهار العربي
محمد الرميحي
محمد الرميحي
من ثورة يناير المصرية
من ثورة يناير المصرية
A+ A-
بحسب أجندتك، إن كان ما عُرف بالربيع العربي قد أتاك في كانون الأول (ديسمبر) 2010 أو كانون الثاني  (يناير) 2011، فإن الوقت قد حان لتذكّر حوادث عقد من الزمن العربي، وإذا ما كنت من أصحاب "الربيع" أو من تعتقد أنه "الخريف" فلا وجود لمن يحتفل بالذكرى. الجميع يريد أن ينسى تلك الأيام المشحونة بالقلق والأمل... بعضنا اعتقد أن نهاية النفق قد بدأت تظهر، والبعض الآخر وجد أن ما تم هو الغطس في بئر لا قرار لها.
 
لذلك لا يحتفل أحد على الرقعة العربية والتي شهدت تغييراً جذرياً في أربعة أنظمة عربية على الأقل، وخلخلت أنظمة أخرى ونسفت مجتمعات عربية الى حد الحرب الأهلية المستمرة، كما استُنزفت طاقات وموارد لم يجر ولن يجري تعويضها حتى في العقد المقبل، ولكنها لم تغيّر "طبيعة النظام العربي في العمق"! الإجابة عن الأسئلة المعلقة ومنها: لماذا حصل ما حصل قبل عقد من السنين في الفضاء العربي؟ ولماذا فشل "إن كان قد فشل؟" ولماذا نجح "إن كان قد نجح؟".
 
لا أعتقد أن هناك إجابة شافية لكل تلك الأسئلة. بعضها فقط يمكن الإجابة عنه بشيء قريب من الدقة وأخرى يمكن التكهن بها، ولكن ليس الجزم بالإجابة. لماذا حصل؟ في الغالب بسبب ترهّل الأنظمة وفقدانها العلاقة بالواقع. معظمها قدم الى السلطة من خلال "انقلاب عسكري"، لكن لم يكن في جعبته أي قراءة لما حدث ويحدث من تطوّر في بلده وفي العالم، وأراد أن تبقى الأمور "على حالها" مستخدماً فقط "سلطة القمع" بأشكالها المختلفة من الترهيب الى الترغيب، وصدّق ما يقرأ في إعلامه الى درجة السكر والغيبوبة، وبدت حركة "الربيع" وكأنها فاجأت الجميع على حين غرّة. 
 
وجدنا عشرات الآلاف بل مئات الآلاف في الشوارع والميادين... خلقت الحركة ديناميتها، أطاحت في النهاية النظام القائم في عدد من الدول العربية وسببت عطباً عميقا أو سطحياً في دول أخرى. إلا أن تلك الجماهير في حركتها لم تنتج في النهاية "أنظمة حديثة"، والسبب أنها "ثورة بلا قيادات" كما وثّقناها في كتاب كارن روس، بالعنوان نفسه، والذي ترجمناه في سلسلة عالم المعرفة أوائل هذا العام "متاح على الشبكة". في هذا الكتاب عالج المؤلف معضلة أن تقوم ثورة بلا قيادة، ومن الطبيعي ألا يكون لها أجندة واضحة، ومن الطبيعي أن تستفيد منها قوى اجتماعية منظمة، وهذا ما حدث في أكثر من مكان، حيث كانت القوى المنظمة هي "الإسلام الحركي" باختلاف درجاته وتنوّعه. 
 
ظاهرة لافتة هي أن معظم من قُتلوا في ميدان التحرير في مصر إبان الحراك كانوا من الفقراء والمعدمين، ولو عدنا الى أسماء وأعمال من نُشرت أسماؤهم من القتلى في جريدة الأهرام لفوجئ البعض بتلك الفئة من المعدمين الذين فقدوا حياتهم. فسّر البعض تراجع "الربيع" أو فشله بالمقارنة بالثورات في أوروبا عام 1848 التي سُمّيت "ربيع الشعوب" والتي عُدت من أكثر وأوسع الموجات الثورية انتشاراً في أوروبا. حققت تلك الثورات القليل من النجاح ثم انتكست بعدما وقع الآلاف ضحايا لذلك الصراع... خفتت الثورة ولكنها ما لبثت بعد بضعة عقود أن عادت أكثر تنظيماً وأكثر وضوحاً في الرؤية لما يراد أن تحقق، وما إن اقترب القرن التاسع عشر الى نهايته حتى تحقق الكثير من الحرية والاستقلال والحكم الرشيد، حتى صار القرن العشرون وأوروبا أكثر تقدماً واستقلالاً الى حد الاعتقاد أنها دخلت "المرحلة الذهبية" من التقدم ... قارن البعض ربيع العرب 2010 – 2020 تقريباً بتلك المرحلة، على أساس أن الموجة "الثانية" آتية، إلا أن ذلك فيه تمن، فالتاريخ لا يكرر نفسه. 
 
وللمتفائلين قد يكون بعض بصيص الأمل في بعض الحوادث اللاحقة، كمثل ما حدث في الجزائر من التخلي جزئياً عن النظام القديم عن طريق "ثورة الشارع" أو مثل ما حدث في السودان "ثورة شارع من جديد" أو المحاولة العراقية في عام 2019 وكذلك اللبنانية، والأخيرتان لم تنتجا الشيء الكثير لمصلحة الحراك الشعبي. حتى في ما يعتقد البعض أنه "النجاح الوحيد" في أيقونة البوعزيزي في تونس، لم يعد نجاحاً، على الرغم من حصول البلاد على دستور حديث ضامن للحقوق، إلا أن التجربة على الأرض حملت الكثير من ثقافة سياسية "جامدة" يرغب بعض مكوّناتها في الاستقواء والاستحواذ على أساس أن لديه المشروع الإنقاذي النهائي والقادم من التراث. 
 
 
صورة العرب السياسية بعد عقد من الحراك على الأقل مربكة، فلم يظهر المشروع الحداثي المرتجى بعد، وبعض دول المنطقة تغوص في حرب أهلية منهكة وأخرى تفشل في تدبير الحد الأدنى من التنمية... هو إخفاق كارثي وفشل في بناء النموذج. في هذا الفضاء ما ينقص هو فكر نهضوي يستفيد من التجربة ويقدم مصفوفة فكرية حديثة لبناء الدولة المدنية الوطنية الحديثة والعادلة والمستقلة، إلا أن هذا المشروع الفكري لم يبدأ التفكير به من أجل تبديد هذا الضباب المحيط بنا للوصول الى الدولة الوطنية التي تقوم على مبادئ التسامح والعدالة والحرية واحترام حقوق الإنسان. 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم