إعلان

نحن والفيل والتّنين وراعي البقر...!

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
مدينة مومباي الهندية
مدينة مومباي الهندية
A+ A-
تقول نكتة هندية: "كان دينغ هسياوبنغ جالساً في سيارته يطالع صحيفة عندما قاطعه السائق قائلاً: يا رفيق، ثمة مشكلة. تقول الإشارة الاتجاه يساراً إلى الشيوعية، والاتجاه يميناً إلى الرأسمالية، أي الاتجاهين أتبع؟ أجاب السيد دينغ: لا مشكلة على الإطلاق، أعط إشارة إلى اليسار واتجه يميناً.. هكذا خطت الصين أولى الخطوات على درب ما تسميه بالسوق الاشتراكية، فمنذ زيارة دينغ سنغافورة وبانكوك وكوالامبور سنة 1978، جرت مياه كثيرة تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني الذي استطاع قادته أن ينقلوا بلداً متخلفاً خارجاً لتّوه من كارثة الثورة الثقافية، ليصبح اليوم عملاقاً اقتصادياً يُرتَهَنُ إليه الاقتصاد العالمي ويشنّ عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حروباً لا حصر لها، فالجميع يحملون مظلاتهم إذا أمطرت في بكين ...

على النهج نفسه، وإن بمعطيات مختلفة، انتقلت الهند من غزل الصوف وتقديس البقر، إلى عملاق في التكنولوجيات الحديثة وقطاع ترحيل الخدمات، إذ أصبحت المكتب الخلفي لكثير من المعاملات الإدارية والمحاسباتية لعمالقة الاقتصاد العالمي .. الصين أصبحت مصنع العالم وموطن الابتكارات الواعدة، والهند مختبرها وإدارتها. وبذلك ليس هناك إلى حدود اليوم ما ينبئ بمواجهة بين العملاقين اللذين يضمّان ثلث البشرية باستثناء بعض المناوشات على الحدود.
 
لقد تفوّقت الصين في البنية التحتية، يكفي أن نصف الرافعات في العالم موجودة في الصين، وأنه لا يخلو بيت في العالم من وجود سلعة صينية. الفرق بين الصين والهند هو أن الأولى ما زالت تحافظ على نظام الحزب الوحيد وقبضة حديدية من أجهزة الدولة والحزب الشيوعي لضبط أنفاس الصينيين. ولعل تدبير بكين للحجر الصحي خير دليل على سموّ القبضة الحديدية، من دون أن نغفل استمرار التضييق على الحريات الفردية والجماعية والتي لم تستثن هونغ كونغ التي استعادتها بكين من بريطانيا وفق اتفاق ينص على "دولة واحدة ونظامين"، وهو ما أصبح عملياً جزءاً من الماضي، لكن كل ذلك لا يمنع الاعتراف بأن شروط الحياة تطورت، وارتفع دخل السكان وتوسعت الطبقة الوسطى التي بلغ تعدادها بحسب آخر المعطيات، أزيد من 250 مليون نسمة، أي ما يقارب عدد سكان الولايات المتحدة الأميركية، وشهد البلد نسب نموّ سنوية لا مثيل لها في التاريخ، برغم تراجعات السنوات الأخيرة، كما يتصاعد سنوياً عدد المليارديرات الصينيين. ويجب ألا ننسى أن الصين تخصص سنوياً 250 مليار دولار للبحث العلمي فقط...
 
يبقى أن أهم خلل تعرفه الصين هو الفوارق بين المقاطعات الموجودة في الساحل الشرقي وباقي المقاطعات في وسط البلاد وغربها، وهو ما انتبهت إليه الحكومة الصينية من خلال الورش الكبرى التي فتحت في هذه المقاطعات، ومنها المشروع العملاق لطريق الحرير الجديد.
 
في المقابل، تشكّل الهند أكبر ديموقراطية في العالم، وهي كذلك منذ الاستقلال عن بريطانيا برغم الانزلاقات التي تعرفها في السنوات الأخيرة، إذ تتوافر الهند على مجال سياسي ومدني حيوي. والديموقراطية الهندية لم تمنع الهند من كل مظاهر البؤس والتخلف والفقر.. شوارع مومباي ونيودلهي لا تختلف عن شوارع أكثر الدول فقراً في أفريقيا جنوب الصحراء، كما أن الديموقراطية الهندية لم تمنع الصراعات العرقية والإثنية والدينية التي لا تنتهي إلا لتبدأ بحدة أكثر وأكبر ... لا ديكتاتورية الحزب الشيوعي في الصين قضت على الفقر، ولا ديموقراطية الهند، وحدها الإصلاحات الاقتصادية استطاعت أن تنتشل ملايين الهنود والصينيين من قاع هامش دورة الإنتاج إلى مركزها.

السوق في الصين والهند، وإن بمقاربتين مختلفين، استطاع أن يحقق ما عجزت عنه السياسة، ومع ذلك لم يكفر الهنود بالديموقراطية ولم ينقلب الصينيون على الحزب الشيوعي... الشعوب دخلت في سبات عميق وتم تكريس البحث عن الحلول الفردية في بيئة دولية تقودها رأسمالية مجنونة تشجع فقط على النجاح الفردي... أمام إفلاس الرأسمال الاجتماعي.

الولايات المتحدة الأميركية نموذج لسياسة الفرد، وبرغم كل التحولات في العالم، ما زالت الولايات المتحدة العملاق الكبير الذي لا يجرؤ أحد على تجاوزه، يكفي أن الميزانية العسكرية الأميركية السنوية لا تقل عن 700 مليار دولار، أي نصف ما أنفقته دول العالم مجتمعة سنة 2010 مثلاً، وذلك في ظل ظروف اقتصادية صعبة، الولايات المتحدة، منذ عقود، تعاملت مع الصين كمصنع، حيث العمالة الرخيصة والجودة المشروطة وفق المعايير الأميركية، فعندما تتجوّل في الأسواق الأميركية، لا تجد سوى علامة "صنع في الصين"، لكن ذلك بدأ يتغير اليوم، إذ أصبحت الصين تملك ناصية المعرفة العلمية، بل في بعض فصولها تتفوق حتى على الولايات المتحدة، وبخاصة في شبكات G5 وما يرافقها على مستوى الذكاء الصناعي وأنترنت الأشياء.
 
لقد حافظت أميركا على الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وأصبحت أول مستثمر في السوق الاشتراكية العظيمة في الصين، فأهم الاستثمارات الخارجية في الصين هي استثمارات أميركية، الشيء نفسه بالنسبة الى الهند. فقد أصبحت هذه الأخيرة المكتب الخلفي لكل المؤسسات الأميركية، وفي كل القطاعات، من المصارف إلى "الحالة المدنية" فموزع الهاتف، اذ فقدت أميركا لفائدة الهند أزيد من 500 ألف فرصة عمل خلال العقد الأخير في قطاع ترحيل الخدمات، يساعدها في ذلك وجود أزيد من 300 مليون من السكان يتقنون اللغة الإنكليزية، بل تم إيجاد مدارس لتدريس مختلف أنواع نطق اللغة الإنكليزية، كل ذلك بأجور متواضعة لا تغطي حتى نصف أسبوع من الاستهلاك بالنسبة الى المواطن الأميركي.

الولايات المتحدة فهمت أن اقتصادها لا يمكن أن ينفصل عمّا تقدمه الاقتصادات الآسيوية العملاقة من فرص خاصة بوجود الصين والهند، برغم العناد الكبير الذي يبديه ترامب لأسباب داخلية انتخابية محضة، وأن ما زرعته من قيم اقتصاد السوق اجتهدت فيه الصين والهند، بحسب خصوصياتهما، ما أصبح يعطيهما قوة متزايدة ونفوذاً على الساحة الدولية، وهو ما جعل الإدارة الأميركية الحالية تشن حرباً على الصين لا هوادة فيها.. وقد عززت جائحة كورونا من مخاطر ارتهان الاقتصاد العالمي للصين بخاصة.

الصين والهند نموذجان ليسا للاستنساخ، بل لأخذ العبرة من أن مسألة الانتقال من التخلف إلى التقدم، أمر ممكن، لكن شرط تراكم في العمل والمبادرات ووضوح الاختيارات الاقتصادية.. فالاقتصاد العالمي، برغم وحشيته، يمنح فرصاً للجميع، فأين نصيبنا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من تلك الفرص؟ 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم