إعلان

فرنسا تبحث عن موقع

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
جاك شيراك
جاك شيراك
A+ A-
تلقت فرنسا ضربة قويّة ستجبرها على البحث عن موقع لها في ظلّ موازين القوى الجديدة في العالم الذي انتقل مركز الثقل فيه الى المحيط الهادئ. حصل ذلك مع إيلاء إدارة جو بايدن الأولويّة للتحدي الصيني مع ما يعنيه ذلك من حاجة الى دول مثل أستراليا.
 
تواجه فرنسا أزمة في غاية الخطورة، باعتراف وزير الخارجية جان ايف لو دريان الذي تحدّث صراحة عن "انعدام كامل للثقة" مع الولايات المتحدة. في أساس الأزمة نسف عقد تبيع بموجبه فرنسا أستراليا 12 غواصة. وقع العقد بين البلدين قبل سنوات وتبلغ قيمته 56 مليار يورو. نسف توقيع تحالف بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا من أجل مواجهة الصين العقد الفرنسي - الأسترالي من أساسه. كان مثل هذا العقد يعني الكثير لاقتصاد فرنسي منهك وللرئيس ايمانويل ماكرون الباحث عن ولاية رئاسيّة جديدة في 2022.
 
في ظلّ التحالف الأميركي – الأسترالي – البريطاني، الذي اعتبرته فرنسا "طعنة في الظهر"، ستزود أميركا أستراليا غواصات تعمل بالطاقة النووية. لن تعود اذاً حاجة الى الغواصات الفرنسيّة التي تعمل بالديزل. هذا ما قاله مسؤولون أستراليون اعتبروا أنّ الغواصات الفرنسيّة لن تكون فعالة بعد عشر أو عشرين سنة. كان لافتاً أن الأستراليين تعاطوا ببرودة مع فرنسا، وبنوع من الازدراء تجاهها، وذلك في سياق عملية الخروج من الصفقة. لم يقدموا أي اعتذار من أيّ نوع، بل تحدثوا عن أن بلدهم ينطلق في قراراته من "مصلحته الوطنيّة" أوّلاً.
 
ماذا يعني ما حدث لفرنسا التي وجدت نفسها في حال تخبط دعتها الى استدعاء سفيريها في واشنطن وكانبيرا، في حين وجدت عذراً لتفادي استدعاء السفيرة الفرنسيّة في لندن؟ بررت عدم استدعاء السفيرة الفرنسيّة من العاصمة البريطانيّة بأنّ "لا حاجة الى ذلك" كون البريطانيين مارسوا "انتهازية دائمة" على حد تعبير لو دريان؟...
وجدت فرنسا أنّ أميركا وأستراليا وبريطانيا "كذبت" عليها. وجدت "احتقاراً" لها كما قال أيضاً وزير الخارجية لو دريان. لمّح وزير الخارجيّة الفرنسي الى سقوط الحلف القائم مع الولايات المتحدة عندما صرح بأنّه عندما يتعلّق الأمر بحلف حقيقي، يكون هناك "حوار واحترام متبادل".
 
هناك معطيات دولية جديدة تعني تغييراً في العلاقات القائمة بين الاتحاد الأوروبي من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. ستطرح هذه المعطيات سؤالاً في غاية الأهمّية يتعلق بموقع فرنسا وأوروبا في العالم. سيتوجب على فرنسا البحث عن دور جديد وموقع مختلف على الكرة الارضيّة في نظام عالمي مختلف لم يتبلور بعد منذ انتهاء الحرب الباردة في تسعينات القرن الماضي ومنذ بداية الصعود الاقتصادي الصيني منذ بداية القرن العشرين.
 
في العام 1956 شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل حملة عسكريّة ردّاً على تأميم مصر قناة السويس. نجحت الحملة في تحقيق الهدف المطلوب... الى أن تدخّلت الولايات المتحدة في عهد الرئيس أيزنهاور. أجبر أيزنهاور بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الانسحاب من قناة السويس. فعلت الإدارة الأميركية ذلك من زاوية انّه لم يعد مسموحاً لدول حليفة للولايات المتحدة بشن حرب من دون استئذان واشنطن. اتصّل وقتذاك وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالس برئيس الوزراء البريطاني انطوني أيدن وأمره بالانسحاب من قناة السويس. اتصل أيدن بدوره بوزير الخارجية الفرنسي فرنسوا بينو وأبلغه أن لا خيار آخر غير الانسحاب. كان في مكتب بينو، لدى اتصال انطوني أيدن به، المستشار الألماني كونراد أديناور. كان ردّ فعل أديناور أن "التوجه أوروبيا يمثّل الانتقام الفرنسي" من الولايات المتحدة. بدأت فكرة الاتحاد الأوروبي تتطور بعد 1956 وانضمت ألمانيا الغربيّة الى المجموعة الأوروبية، التي بدأت بستة أعضاء والتي باتت تعرف الآن بالاتحاد الأوروبي، في العام 1957.
 
في المقابل، قررت بريطانيا، مباشرة بعد الانسحاب من قناة السويس أن تسير في خط السياسة الأميركيّة. تحوّلت الى الحليف الأكبر للولايات المتحدة. الحليف المطيع الذي لا يطرح أسئلة من أي نوع، حتّى بعد دخولها الاتحاد الأوروبي ثمّ خروجها منه في 2016.
 
بعد انهيار عقد الغواصات الفرنسي – الأسترالي، بات معروفاً الى أين ستذهب بريطانيا. ستذهب الى التصاق أكبر بأميركا. ما ليس معروفاً الى أين ستذهب فرنسا في وقت توسّع فيها الاتحاد الأوروبي الى درجة أنّ فرنسا صارت مثل اليتيم بين دوله التي تمتلك كلّ منها مصالح خاصة بها. يظلّ الدليل الأبرز على الضياع الفرنسي المنافسة مع إيطاليا في ليبيا والتوجّه الى الاستعانة بإيران واسترضائها في لبنان، عبر الرضوخ لـ"حزب الله" ومطالبه، من أجل الحصول على عقود في العراق!
 
سيكون صعباً على فرنسا إيجاد موقع جديد تبحث عنه في نظام دولي لم تتضح معالمه بعد، خصوصاً في ظلّ الصعود الصيني ووجود إدارة أميركية حائرة لم تخطر حلفاءها بما كانت تنوي عمله في أفغانستان واكتفت بوضعهم أمام أمر واقع. ما يزيد في صعوبة الموقف الفرنسي غياب صاحب الرؤية في قصر الإليزيه. تبيّن مع مرور الزمن أن جاك شيراك كان آخر رئيس فرنسي يمتلك رؤية واضحة لما يدور في العالم وفي مناطق بعيدة من فرنسا... وقريبة منها مثل الشرقين الأوسط والأدنى وشمال أفريقيا.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم