إعلان

تونس... المربع الأول

المصدر: النهار العربي
أسامة رمضاني  
أسامة رمضاني  
تظاهرات في تونس
تظاهرات في تونس
A+ A-
كان المشهد لافتاً يوم 18 أيلول (سبتمبر) في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة التونسية: مئات من معارضي قرار قيس سعيّد اللجوء إلى الأحكام الاستثنائية كحل لأزمة الحكم في تونس وجهاً لوجه أمام مئات آخرين من أنصار الرئيس التونسي.
التجمع الأول كان مكوّناً أساساً من أنصار "حركة النهضة" الإسلامية والمتحالفين معهم. وكان هذا الفريق هو أول من دعا للتظاهر وذلك احتجاجاً على الأحكام الاستثنائية التي علّقت أنشطة البرلمان وأنهت دور رئيس الحكومة هشام المشيشي يوم 25 تموز (يوليو) الماضي، وبالتالي همّشت دور "حزب النهضة" الذي كان إلى حد ذلك التاريخ الطرف المهيمن على عمل السلطة التشريعية والحكومة على حد سواء. كانت شعارات منتقدي سعيّد تندد بتحركه يوم 25 تموز (يوليو) الماضي على أساس أنه انقلاب على الدستور وتهديد للديموقراطية.
 
أما التجمع الثاني الذي يبدو أنه جمع نفسه على عجل لمساندة سعيّد، فقد تظاهر دعماً لموقف رئيس الجمهورية باعتبار تطبيق الأحكام الاستثنائية إنقاذاً للدولة من "الخطر الداهم" (إن لم يكن بعد "جاثماً" حسب تعبيره) والمتمثل في سوء إدارة أزمة كوفيد وتعطّل آليات عمل الدولة نتيجة الخلافات الدستورية والسياسية واستشراء الفساد.
 
لم تكن التظاهرتان المتوازيتان لافتتين بحكم الحشود التي جمعتهما. فأعداد المتظاهرين لم تتجاوز بضع مئات بعكس ما كان وعد به معارضو سعيّد على وجه الخصوص من مليونية شعبية "ترفض الإنقلاب". كانوا معولين على مؤشرات النقد المتزايدة الموجهة لسعيّد كي تحشد الآلاف المؤلفة ولكن ذلك لم يحصل.
 
أحد الأسباب الرئيسية لضعف الموقف المواجه لسعيّد هو أن انتقادات فئات مختلفة من النخبة لغياب الرؤية الواضحة أو القرارات الإصلاحية الحاسمة من قبل رئيس الجمهورية لم تغيّر الشيء الكبير من التوازنات الكبرى في الرأي العام، إذ إن الرياح ما زالت تجري في الاتجاه الذي تشتهيه سفن سعيّد. ولم يحدث تكافؤ بين الطرفين المتقابلين حول أزمة الحكم، إذ لا يزال الجمهور الواسع يساند سعيّد، بنسبة تفوق 70 في المئة حسب استطلاع للرأي نشرت نتائجه يوم 19 أيلول (سبتمبر) الجاري. وفي تلك المساندة رفض واسع للوضع الذي كان قائماً قبل إقرار الأحكام الاستثنائية وموافقة على موقف رئيس الجمهورية الرافض "للعودة الى الوراء" .
 
كانت التظاهرتان في حد ذاتهما لافتتين اعتباراً لسلمية التحرك وغياب لأي مظاهر للعنف بين أنصار الطابورين المتواجهين، وإن كانت أمتار فقط تفصلهما عن بعضهما البعض وبالرغم من حدة الشعارات والتهم الحادة المتبادلة بينهما.
 
وقد ساعد في استتباب الهدوء تصرف أفراد الأمن بحرفية وهدوء رغم توتر أعصاب المتظاهرين. بقاء الأمور رهن السيطرة تحت أضواء الإعلام ومنظمات المجتمع المدني قد يكون فاجأ الكثيرين، ولكنه كرّس قناعة أضحت بديهية على مدى السنوات العشر الأخيرة وهي أن حرية التعبير والتظاهر تبقى مكسباً مهماً وأرضية مشتركة تجمع التونسيين حتى وإن فرّقت بينهم المواقف السياسية والإيديولوجية واختلفوا حول الأولويات. كل منظومات الحكم المتعاقبة تقريباً فهمت هذا الأمر. على مدى السنوات نما الوعي بأن لجوء السلطة إلى استعمال العنف يهدد بخلخلة الاستقرار النسبي وتقويض السلم الاجتماعي.
 
وفرت التظاهرات والاعتصامات ومختلف أشكال حرية التعبير متنفساً حيوياً وبديلاً سلمياً للمواجهات بين أنصار الأحزاب أو بين المواطنين والسلطة. ولكن التظاهرات لم تكن أبداً كافية لاقناع الحكومات المتعاقبة على مدى عقد كامل من الزمن بالإسراع في إنجاز الإصلاحات الضرورية والتوقف عن الرقص على شفا الهاوية. كانت بالعكس بمثابة الشجرة التي أراد بها السياسيون إخفاء غابة إخفاقاتهم. اختفى أهل النخبة الحاكمة وراء مظاهر احترامهم لحرية التعبير للإيحاء أن البلاد على سكة التغيير الصحيح حتى وإن تدهور مستوى معيشة أهلها وزادت نسبة بطالتهم.
 
في الأمس واليوم كان من الواضح أن الشارع ليس الطريق لحل أزمات تونس. بل بالعكس قد يكون أسرع طريق لتعقيد الأزمات الراهنة، بخاصة إذا تحولت التظاهرات إلى محاولات من أجل لي ذراع الخصم وجعل حكم الشارع بديلاً لتردد الساسة عن اتخاذ القرارات. والشارع في كثير من الأحيان كتلة هلامية لا تعرف لها قيادات مسؤولة يمكن الاعتماد عليها في إعادة بناء الصرح الذي يدعو إلى تفكيكه المحتجون.
 
المحاذير كثيرة. اتحاد الشغل، مثلاً، حذر من أن النزول إلى الشارع قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الصدامات وتكريس الانقسامات داخل المجتمع التونسي.
الأهم في التحذيرات التي أطلقها اتحاد الشغل وعدد من الفاعلين السياسيين هو التأكيد أن مساندة الرأي العام للرئيس لا تعفيه من اتخاذ إجراءات ملموسة على صعيد تشكيل الحكومة وتوضيح رؤاه نحو الخروج من الأزمة السياسية والدستورية في شكل يتواءم ومطالب الأغلبية الداعية لتجاوز هنات المنظومة السابقة مع الحفاظ على مستلزمات الممارسة الديموقراطية للسلطة.
 
الطبقة السياسية قد تكون على حق عندما تؤكد أن الشارع لن يحل أزمات تونس. فالشارع لن يتفاوض مع البنك الدولي ولن يصلح المنظومات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية المتهالكة.
ولكن الطبقة السياسية تتحمل معظم الوزر في رفض الشارع لها وفي تهميشها من قبل رئيس الجمهورية الذي يواصل إغفال مطالبها ودعواتها له كي يشركها في قراراته أو على الأقل يصغي إلى مقترحاتها من أجل تحديد ملامح المرحلة المقبلة.
فبتصرفاتها منذ عام 2011 لم تقنع الطبقة السياسية إلا القليلين أنها قادرة على إصلاح احوال البلاد او إنقاذها من أزماتها. وهي اليوم لا يجب أن تفاجأ حين يرمي بها أداؤها المهزوز إلى المربع الأول من المسار الانتقالي الذي يمسك بدفة القرار فيه حراك الشارع ومنصة فيسبوك.
 
ذلك ما فهمه سعيّد في حين ما زالت النخبة السياسية تبحث عن موقع جديد يؤمّن لها دوراً فاعلاً يتجاوز ضجيج الشارع.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم