إعلان

"مالكوم إكس" في الحج!

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
مالكوم إكس
مالكوم إكس
A+ A-
يؤدي ملايين المسلمين فريضة الحج كل عام. وفي العامين الماضيين، تقلص هذا الرقم الى الآلاف، وبلغ هذا العام 60 الفاً، كلهم من حجاج الداخل المقيمين في بلاد الحرمين، نظراً الى ظروف جائحة كورونا. وقد تم اختيارهم من بين نصف مليون متقدم، بإعطاء الأولوية لمن لم يسبق له أداء الفريضة، ويتمتع بصحة جيدة، وحصل على جرعتي لقاح كورونا، وأجرى فحصاً لها. 

تقنية الحج
واستفادت أجهزة الحج من التطور العلمي والتقني في مجال إدارة الحشود وتنظيم الحركة والذكاء الاصطناعي. فحصل كل حاج على بطاقة تعريف ذكية، تحدد حالته ومكانه والمجموعة المرافقة ومقر الإقامة وبرنامج الحركة. وارتبطت شريحتها بكل الإدارات المختصة الحكومية والأهلية، لضمان سلاسة الحركة وأمن الحج والصحة العامة. 

ووصل الحرص على اتباع الاحترازات الصحية الى استخدام تطبيقات الجوال في الحصول على كل الخدمات والمعلومات، كشراء الأضحية وذبحها وتوزيعها من طريق الحجز والدفع الالكتروني، وركوب القطار في المواعيد المحددة، وتوزيع مياه زمزم المعلبة من طريق أجهزة الروبوت داخل الحرم الشريف.   

على أن كل هذا التطورات العلمية والتقنية لم تغير شيئاً في طبيعة المناسبة  وقدسيتها، وأسباب كل من يأتي الى الديار المقدسة  ومعطياته، منذ وضع سيدنا إبراهيم قواعد البيت وأذّن في الناس بالحج. فنحن نجيء بأثقال من الذنوب والمعاصي لنتطهر منها، وهموم وأحزان لنغتسل عنها، وأحلام وآمال لنصلي من أجلها. ونعود بكل هذا وأكثر مما توقعناه أو لم نتوقعه. نرجع بفهم أعمق لأنفسنا، ومعرفة أوسع بديننا، وخبرات ودروس وعبر.   

رحلة العمر
وبغض النظر عن كم المكتسبات التي تتوقعها، وعدد مرات أدائك للحج، ومدى عمق استعدادك للمزيد من المعرفة والتجربة، فإن الحج سيفاجئك دائماً بأكثر مما كنت تحسبه ممكناً.

تذكرت تجربتي، ثم قرأت عن تجارب الآخرين. وهذه تجربة قرأتها وكتبت عنها من قبل، لكني ما زلت أتذكرها في كل حج.

عندما جاء أشهر زعامات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأميركية، مالكولم إكس، للحج في أوائل الستينات من القرن الماضي، كان أكثر ما أدهشه، اكتشافه للمرة الأولى أن الإسلام دين عالمي عظيم. وأنه دين يتعامى عن الألوان والأعراق. وأن الحج دعوة واحدة، من إله واحد، استجاب لها الملايين من كل أرض وشعب و "فج عميق". 

تحدث مفكر حركة المسلمين السود، في كتابه "السيرة الذاتية لمالكوم إكس"، المنشور بعد وقت قصير من وفاته، عن تجربة العيش في خيمة مفتوحة، والتعايش في مساحة واحدة مع إخوة بألوان بشرة مختلفة: أصفر، قمحي، أسود ... وأبيض!

صناعة السلام
في مكة، تعلم مالكولم أن يتصالح مع إخوانه من البشر، وبخاصة "الرجل الأبيض"، وتعلم للمرة الأولى منذ إسلامه الطريقة الصحيحة لأداء الصلاة. التقى الملك فيصل وعلماء السعودية، وعاد إلى أميركا رجلاً مختلفاً في رؤيته للحياة والناس والدين. وفي هذه المرحلة غيّر اسمه إلى "مالك الشباز"، وأسس المسجد الإسلامي، السنّي، ومنظمة الوحدة الأفريقية - الأميركية، عام 1964.

لم يعد الحاج مالك يعتقد بأن اليجا محمد، زعيم "أمة الإسلام"، نبيّ، وأن "الرجل الأبيض" شيطان. وأعلن نبذه للعنصرية، قائلاً: "لقد أدركت أن العنصرية ليست مجرد مشكلة أبيض وأسود. لقد جلبت حمامات الدم إلى كل أمة على وجه الأرض في كل الأوقات".

واعترف، رحمه الله، في كتابه: "لقد فعلت أشياء كثيرة كمسلم [أسود] وأنا آسف عليها الآن. كنت حينها زومبياً - مثل كل المسلمين [السود] - تم تنويمي مغناطيسياً. وجهت في اتجاه معين وطلب مني أن أسير. حسناً، أعتقد أنه يحق للرجل أن يخدع نفسه إذا كان مستعداً لدفع التكلفة. لقد كلفني ذلك 12 عاماً من عمري".

الاغتيال والإرث 
بل كلفته أكثر! ففي أمة مزقتها الصراعات العرقية، دفع مالكولم إكس حياته وعمره لم يتجاوز 39 عاماً من أجل هذا التغيير! ففي شباط (فبراير) 1965، بعد فترة وجيزة من تطليقه لمنظمة أمة الإسلام، اغتيل على يد ثلاثة من أعضائها. وقد توقع ذلك مقدماً، وأسرّ به لعدد من أصدقائه، ومن بينهم أمير سعودي، كما جاء في كتاب "محمد الفيصل يتذكر". فبعد الاعتداء على منزله بالقنابل الحارقة، وتأخر الشرطة والمطافئ عن الحضور حتى كاد يقضى وأسرته في الحريق، وبعد اتصالات وتهديدات مجهولة - معروفة، توقع أن يتم اغتياله خلال أسابيع قليلة، وهذا ما تم.  

ورغم محاولات تسميم تاريخه وإلغائه، يستمر إرث الداعية الثائر حتى اليوم. ففي الوقت الذي تداعى فيه أرث اليجا محمد، وانتقل أبنه وارث الدين محمد واتباعه من بعده الى التيار السنّي، تنامى تأثير الحاج مالك بعد وفاته على مسار ملايين المسلمين في أميركا وخارجها. لقد كانت مكة بداية رحلة طويلة أخذته هو وأتباعه إلى مستقبل أكثر تسامحاً وانفتاحاً واستنارة. 

رحلة البحث 
وكل عام، يأتي الى بيت الله الحرام ملايين الحائرين مثله ينشدون نور الله ويبحثون عن معنى لحياتهم وهدف لوجودهم، عن سلام وأمان. تحلق أرواحهم فوق حياة دنيوية وصولاً الى حياة سماوية. وفي تلك اللحظات الاستثنائية، عندما يكونون أكثر تقبلاً للإرشاد والتغيير، فإن الحاجة ماسة لمرشدين يحدثونهم عن الحب والسلام والتسامح. وآخر ما يحتاجون إليه صوت الانقسام والكراهية والجدل، من الساسة وشيوخ الفتن. 

فالحاج، كما اكتشف الحاج مالك، لم يأتِ الى بيت الله مندوباً عن حزبه، ممثلاً لحكومته، أو داعية لمذهبه وطائفته، بل جاء مسلماً، موحداً، ملبياً لنداء ربه، ومؤدياً لركن من أركان دينه. طامعاً في المغفرة والغفران وجنة عرضها السموات والأرض، بصحبة إخوانه وأخواته، بكل عقائدهم ومذاهبهم، أعراقهم وطوائفهم. 

التجربة والمشاركة
ألهمت قصة الحاج مالك الشباز المسلمين في أميركا والعالم. ونحن بحاجة إلى دراستها، وتدارس التجارب المماثلة لضيوف الرحمن، وصولاً لاستدراك المعنى الحقيقي للحج - رحلة العمر، رحلة البحث عن الذات، رحلة الاستكشاف والتسامي والغفران، التي تخرج أفضل ما فينا، وتغسل أسوأ ما فينا، تطهرنا وترقى بنا وتنجينا. 

أدعو الله لمن لم تسنح له الفرصة حتى الآن أن يعجل الله في تحقيق أمنيته. كما أتمنى من أولئك الذين أكرمهم الله بهذه التجربة الملهمة أن يشاركونا دروسها. لدينا الكثير لنتعلمه ... والكثير لنتشارك فيه وننتفع به.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم