إعلان

في العراق دولة في خدمة الميليشيات وأنصارها

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
عراقية ترفع لافتة كتب فيها: لا لسرقة أموال الشعب
عراقية ترفع لافتة كتب فيها: لا لسرقة أموال الشعب
A+ A-
بسبب اتساع دائرة الفساد في الدولة العراقية ومغالاة الأحزاب والميليشيات في التمسك بامتيازاتها المالية التي تحولت بمرور الزمن إلى حصص ثابتة مقتطعة من الميزانية السنوية فإن أي تحول في اتجاه اجراء إصلاحات، تكون فعالة على مستوى استيعاب القوة العاملة التي هي في ازدياد مستمر لا يمكن توقع حدوثه إضافة إلى أن أي فائض مالي بسبب زيادة مفاجئة في أسعار النفط سيتم تصريفه في قنوات غير مرئية تبعاً لمخطط إيراني يركز على دعم الميليشيات التابعة لـ"الحرس الثوري" في لبنان وسوريا واليمن. وهو إجراء روتيني لا يحتاج إلى موافقة مؤسسة بعينها. فالبنك المركزي يملك مرونة في القيام بمثل تلك التحويلات.  
 
وبغض النظر عمَن يقود الحكومة ومَن هم كوادرها الذين يحكمون على السطح، فإن آلية توزيع الأموال صارت ثابتة، وهي جزء من أسلوب النظام السياسي في تثبيت قواعده التي لا يمكن أن توصف بالراسخة بل هي مهتزة وستظل كذلك. لذلك فإن أية محاولة لإعادة النظر في جداول وازرة المالية ستجابه بالاعتراض الصاخب الذي يصل إلى درجة التظاهر كما حدث مع المنتفعين من مسألة رفحاء، مستندين على واحد من أغرب التشريعات التي سُنت في عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. تشريع هو جزء من حزمة تشريعات كانت بمثابة افتتاح لعصر الفساد. وليس من باب المبالغة أن توصف تلك التشريعات بأنها فريدة من نوعها وليس لها مثيل في العالم.
 
فعلى سبيل المثال، فإن هناك ثلاثة ملايين شخص يتمتعون بامتيازات السجين السياسي بعد أن كانوا قد قبضوا تعويضات بمبالغ كبيرة. ثلاثة ملايين سجين سياسي هو رقم خيالي غير أنه لا يجوز التشكيك فيه لأنه لا يمثل المنتسبين إلى الأحزاب الدينية وحدهم بل وأيضاً كل معارفهم وأقربائهم. كما أن هناك سجناء سياسيين فضائيين لا وجود لهم على أرض الواقع. 
 
وليست ظاهرة تعدد الرواتب محصورة بشريحة حزبية بعينها. هناك عشرات الآلاف يقف في مقدمهم زعماء الأحزاب والكتل السياسية والنواب يقبض بعضهم خمسة رواتب شهرياً والبعض الآخر أربعة في حين يُعتبر الحصول على راتبين أمراً طبيعياً. فمَن يصبح نائباً لا يتوقف راتبه الأصلي وحين تنتهي الدورة النيابية يُحال على التقاعد فيستمر في الحصول على راتبين. وما يثير العجب هو أن خدمة أربع سنوات تكون كافية للحصول على تقاعد.
 
لقد تفنن نوري المالكي في هدر المال العام من خلال الانفاق على أعضاء حزب "الدعوة" أولاً ومن ثم المنتسبين للأحزاب الدينية بحيث يمكن اعتبار غالبية الذي تمتعوا بحقوق التقاعد بعد عام 2003 ليسوا مؤهلين قانوناً لنيل ذلك الحق. ذلك لأنهم لم يخدموا يوماً واحداً في الدولة العراقية وقضوا الجزء الأكبر من حياتهم خارج العراق.
 
هناك ما لا يُصدق من وسائل وأساليب السرقة تحولت بقدرة المالكي إلى أسباب شرعية للحصول على الدخل الثابت. وحين قرر مصطفى الكاظمي رئيس الحكومة الحالي القيام بإصلاحات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدولة أولاً وجد أن عليه أن يتصدى لذلك الوباء الذي يتمدد داخل الميزانية كالسرطان من غير أدنى حق. هل يُعقل أن يُصرف نصف الميزانية من أجل تغطية متطلبات غير قانونية؟ شهداء لا حصر لهم. سجناء سياسيون لم يتعرفوا على السجون، ولاجئو رفحاء الذين كانوا ثلاثين ألفاً وصاروا اليوم ربع مليون وأكثر. اما أن تضع على رأسك عمامة وتستلم راتباً شهرياً وتكون الدولة ملزمة بتوفير منزل لك فذلك ما لا يمكن أن يستوعبه أي قانون.   
 
حاول الكاظمي أن يتصدى لتلك الظواهر الشاذة غير أنه فشل. 
الأدهى من ذلك كله أن الأحزاب تملك دوائر اقتصادية في الوزارات التابعة لها. أما مهمة تلك الدوائر فإنها تكمن في تقاسم المخصصات المالية مع الوزارة. لذلك فإن الأحزاب تتقاتل في ما بينها للحصول على الوزارات التي تدر مالاً أكثر كالدفاع والتربية والكهرباء. غير أن عبقرية الفساد جعلت من الوزارات الخدمية مصدراً للربح كما حدث مع وزارة الصحة. إذا كنت ترغب في زيارة مريض عليك أن تدفع مبلغاً كما لو أنك تشتري تذكرة للدخول إلى مدينة الألعاب أو دار للسينما. ذلك ما تفتقت عنه عبقرية "التيار الصدري" المستفيد من وارادات القطاع الصحي. 
 
ليست تلك الظواهر سوى عينات من مختبر، يمكن أن ينفجر في أية لحظة وذلك لخطورة تفاعل المواد في العمليات التي تُجرى فيه. فالإصلاحات التي يهدد الكاظمي بإجرائها من غير جدوى تعتبر عاملاً خارجياً في حين يشكل الصراع بين الأحزاب على المناصب والامتيازات والمناقصات جوهر الخطر الذي يهدد دولة العراق الجديد. 
 
وإذا ما كانت الدولة قد أجبرت على تمويل ميليشيات "الحشد الشعبي" وهو مشروع إيراني خالص فإن زيادة عدد الميليشيات باضطراد يسبب عجزاً مالياً متصاعداً للدولة التي كلما خصصت في ميزانيتها السنوية مبلغاً لـ"الحشد الشعبي" تجد نفسها مضطرة لزيادته. وهي من أجل تغطية تلك النفقات تقوم بسحب مبالغ من فروع الصرف الأخرى. وبالرغم من العبء الكبير الذي يترتب من جراء نفقات غير محسوبة فإن تلك الميليشيات غالباً ما تلجأ إلى قطع الشوارع خارج المدن من أجل فرض أتاوات على شاحنات نقل المواد الغذائية. وهو ما تقف المؤسسة الرسمية عاجزة عن التصدي له. 
 
وهكذا وجد الكاظمي أن عليه أن يقوم بقضم الميزانية لحساب الأحزاب والميليشيات بدلاً من أن يزيد الانفاق في مجال تلبية مطالب المحتجين الشباب في التعيين والخدمات العامة كالكهرباء والماء وقطاعي التعليم والصحة المنهارين.    
  
       


الكلمات الدالة