إعلان

حلّ مأزق لبنان الحكومي عند نوّاف سلام: كيف ولماذا ومتى؟

المصدر: النهار العربي
فارس خشان
نواف سلام
نواف سلام
A+ A-
يقترح الدكتور نواف سلام في الصفحتين 166 و167 من كتابه الأخير "لبنان بين الأمس والغد" من جملة ما يقدّمه من اقتراحات تهدف الى إعلاء شأن دولة المؤسسات من خلال معالجة الاختلالات في "اتفاق الطائف"، أن يتم إجراء تعديل متوازن على النص الدستوري الخاص بتشكيل الحكومة، بحيث يتم إلزام الرئيس المكلّف بمهلة ثلاثين يوماً للتشكيل، واذا عجز عن إقناع رئيس الجمهورية ضمن هذه المهلة، بتصوره، يعتذر، ولكن إذا عاد واختاره النواب، ثانية، في الاستشارات النيابية الملزمة، وجب على رئيس الجمهورية أن يوافق على الصيغة الجديدة المقترحة، إذا نالت موافقة الأكثرية في مجلس النواب، على أن يخسر الرئيس المكلّف حق التكليف، لمرة ثالثة، إذا رفض المجلس تشكيلته المقترحة (نص اقتراح سلام في ذيل هذا المقال).

ويهدف اقتراح سلام الذي يندرج في سياق مشروع متكامل يراعي توازن السلطات وتعاونها، الى الحيلولة دون أن يضرب التنافس الطائفي نبل هذا المبدأ الديموقراطي.
ويمرّ لبنان، منذ جريمة انفجار مرفأ بيروت، بوضع شاذ للغاية. المشكلة في هذا الوضع الذي تختلط فيه الطائفية بالأنانية وبالتبعية، أنّه يتدثّر بالنص الدستوري.

والدساتير، في المبدأ، لم تكن من أجل أن تغطّي الانحرافات بل بهدف قطع دابرها.

وفي الأنظمة التي تسعى الى إعلاء شأن المؤسسات وتعمل على الدفاع عن مصالح المواطنين، فإنّ الطبقة السياسية، في حال عمد أيّ طرف الى استغلال أيّ غموض في النص الدستوري، لا تتصرف كقراصنة المعلوماتية والهاتف والبحر والبر، بل تسارع، مثل الكيانات الحريصة على قوتها ومصالحها وديمومتها، الى سدّ هذه الثغرات.

ما يحصل في لبنان أنّ الطبقة القيادية أصبحت طبقة قراصنة بامتياز، بحيث تسقط الوطن بأكمله باستغلال الثغرات الدستورية. هذا ما يحصل لجهة حماية المشتبه بتورطهم بالجرائم الكبرى، كما سبق أن حصل على مستوى إحداث فراغ رئاسي طويل ممّا وفّر الظروف الملائمة لإيصال ميشال عون إلى القصر الجمهوري، وهذا ما يحصل، منذ أيلول (سبتمبر) الماضي للحيلولة دون تشكيل حكومة جديدة تحلّ مكان حكومة حسّان دياب التي استقالت بقرار صدر عن صانعها الرئيس، أي "حزب الله"، الذي أراد بعد انفجار مرفأ بيروت، بين ما أراده، احتواء غضب عارم استهدف تسلّطه على الدولة كما مخازن أسلحته الموزّعة، وفق مشيئته، ليس على تخوم المناطق السكنية فحسب بل ضمنها ايضاً.

ولم تصدّق غالبية اللبنانيين وغير اللبنانيين أنّ لا علاقة لـ"حزب الله" بمخزن "نيترات الأمونيوم" الذي تسبّب بفجيعة وطنية كبرى، فهو، بالاضافة الى ثبوت استعماله هذه المادة الكيميائية في عملياته العسكرية والأمينة، في لبنان والخارج، يملك وحده القدرة على تنظيم عملية أمنية - قضائية - سياسية متكاملة سمحت بالمحافظة على "عبوة العنبر الرقم 12"، من دون معالجة، على الرغم من معرفة الجميع بمدى خطورتها.

إذن، منذ استقالة حكومة حسّان دياب، عجزت الطبقة السياسية اللبنانية عن تشكيل حكومة، بحيث حرق الممسكون بالقرار، بواسطة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، تكليفين مدعومين من المجتمع الدولي الذي يشترط تشكيل حكومة فعّالة وذات مصداقية لإطلاق برنامج مالي - اقتصادي إنقاذي.

وبفعل العراقيل التي كان عون واجهتها، اعتذر مصطفى أديب بداية، ولحق به سعد الحريري بعد تسعة أشهر.

وعلى الرغم من أنّ الشبهات السياسية تحوم حول وجود قرار سياسي كبير يقضي بمنع تشكيل حكومة في لبنان تتناغم مع المجتمع الدولي، من جهة وتبعده عن الأجندة الإيرانية التي تريد ترسيخ لبنان متراساً اقليمياً" متقدماً لها، من جهة أخرى، فإنّ الغطاء الوحيد لهذه العملية التعطيلية التي ضاعفت مآسي الكارثة اللبنانية، كان النص الدستوري.

إنّ اقتراح نوّاف سلام، لو حسنت النيات، يمكن اعتماده، في هذه الظروف الإستثنائية، حتى من دون نص دستوري، لأنّه يفتح الأفق المسدود، أمام تشكيل حكومة معقولة في لبنان، على اعتبار أنّ حكومة ترضي تطلعات الجميع في الداخل والخارج، غير ممكنة، في الوقت الراهن، برئاسة "مرشح غير طبيعي" لرئاسة الحكومة، خصوصاً أنّ الأغلبية النيابية في الاستشارات النيابية الملزمة الأخيرة، كانت قد وافقت على ترشيح الحريري لنفسه، على قاعدة قوله: "أنا المرشح الطبيعي لرئاسة الحكومة".

ويدرك الجميع استحالة استمرار حكومة تصريف الأعمال، بعدما أضحى تفعيلها، في ضوء مواقف أطلقها رئيسها، مراراً وتكراراً، غير دستوري، ناهيك عن أنّ حسّان دياب يتربّع على رأس قائمة "المدّعى عليهم" لدى التحقيق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت.
 
وليس في هذا التوجّه أيّ تطاول على صلاحيات رئيس الجمهورية، بل يشكّل محاولة لضبط التعطيل المنسوب إليه، في إطار روحية الدستور التي حرّفها، بحيث إنّه، أدرك ذلك أو لم يدركه، يحاول أن يفرض على البلاد رئيساً للحكومة يناسب تطلعاته هو، ليس من خلال الاستشارات النيابية الملزمة، بل من خلال فرض إرادته فرضاً على الرئيس الذي تكلّفه الأغلبية النيابية تشكيل الحكومة.

ووفق مصطلحات هذا العهد منذ انفجار الشعب في 17 تشرين الأول (اكتوبر) 2019، مروراً بانفجار مرفأ بيروت، وصولاً الى انفجار الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية، فإنّ رئيس الجمهورية لا يتحمل أيّ مسؤولية، لا عن أفعاله ولا عن ارتكابات الحكومات، في حين أنّ رئيس الحكومة، في المقابل، يتحمّل هاتين المسؤوليتين، وتالياً فإنّ نوعية التفسيرات التي يعتمدها رئيس الجمهورية للنصوص الدستورية، تجعل منه رئيساً في نظام ديكتاتوري، كما هي عليه الحال في سوريا، وليس في نظام ديموقراطي برلماني، كما هي عليه الحال في لبنان.

وليس من مسؤولية رئيس الجمهورية التدقيق في ما اذا كانت الحكومة سوف تنال الثقة في مجلس النواب، لأنّ رئيس الحكومة، في حال لم يأخذ الثقة، هو الذي يدفع الثمن، في حين أنّ رئيس الجمهورية يبقى ثابتاً في منصبه، وتكون "اللاثقة" مناسبة له، لرؤية النواب مجدداً، وتصوير نفسه معهم، منشغلاً بشؤون البلاد وساهراً على هموم العباد.

وعلى ما يجيب المسؤولون الفرنسيون، كلّما قيل لهم إنّهم في الشأن اللبناني، مثلهم مثل "مرتا" الانجيلية، "يهتمون بشؤون كثيرة فيما المطلوب واحد"، فـ"نحن لسنا سذّجاً"، بطرح هذا المخرج الذي يقترحه نوّاف سلام، بل، هذه محاولة، للقول إنّ لبنان يملك ما يكفي من عقول لاجتراح الحلول لكل مشكلة تعترضه، لو لم يكن ضحية "أجندة" خطرة للغاية.

إنّ نواف سلام، في كتابه "لبنان بين الأمس والغد" بدا، بوضعه لبنان تحت "سكانر سياسي - عقلي - دستوري" مرشّحاً طليعياً لأعلى المناصب، لو أنّه ينتمي الى دولة تختار قياداتها بناء على انتاجهم وفكرهم وتطلعاتهم وخبرتهم وعلمهم، ولكنّه ينتمي الى لبنان حيث الاختيار يتم على قاعدة العصبية الطائفية، الأمر الذي يؤكّد أنّ وصوله الى أيّ موقع، مهما كثرت المناورات السياسية، "شبه مستحيل"، ليس للأسباب التخوينية التي يوردها "حزب الله" ضدّه زوراً، بل لأنّه يسعى، بواقعية، الى تقديم حلول ممكنة للأزمات المستعصية.

وفي لبنان لا تستعصي الأزمات على الحلول، ببراءة، بل بفعل تدبير يسهر عليه الحلف الجهنّمي المعقود بين السلاح الميليشيوي الذي يريد أن يكرّس هيمنته على الناس وبين الفساد السياسي الذي يريد تكريس هيمنته على الطوائف.
——
* اقتراح نوّاف سلام ذو الصلة بالمقال، وهو مقتطف من كتابه المنشور بالفرنسية والعربية بعنوان "لبنان بين الأمس والغد":
إذا لم ينجح رئيس الحكومة المكلّف، بعد انقضاء مهلة ثلاثين يوماً على تسميته، في اقتراح مشروع حكومة على رئيس الجمهورية أو نيل موافقته على تشكيلها، وُجب اعتباره متنحيّاً عن هذه المهمة وكان على رئيس الجمهورية الدعوة مجدداً إلى استشارات نيابية من أجل تسمية رئيس مكلف جديد. وفي حال أسفرت نتائج هذه الاستشارات عن إعادة تسمية الرئيس المكلف نفسه، وتبيّن أنّ هذا الأخير بقي على خلاف مع رئيس الجمهورية على صيغة الحكومة، كان عليه أن يقدم الصيغة المقترحة منه إلى مجلس النواب لأخذ موافقته عليها بعد ثلاثين يوماً على إعادة تكليفه. وفي حال وافق المجلس على هذه الصيغة، وجب عندها على رئيس الجمهورية إصدار مرسوم تشكيلها. أمّا في حال لم يتقدم الرئيس المكلف في المهلة المذكورة بصيغة حكومية الى رئيس الجمهورية أو فشل في الحصول على موافقة أغلبية مجلس النواب عليها، فيجب اعتباره متنحياً عن هذه المهمة، كما أنه يخسر عندها إمكان تسمية مجلس النواب له للمرة الثالثة لتولي هذه المهمة.
 
الكلمات الدالة