إعلان

السلطات الفاشلة والجماهير الغفورة

المصدر: النهار العربي
راغب جابر
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
يحار الإنسان العربي في الجواب عندما يطرح على نفسه هذا السؤال: هل السلطة الحاكمة في البلد في منتهى الذكاء أم في منتهى الغباء؟ 
 
ليس الجزم بالجواب أمراً يسيراً رغم أن هناك من يرد ببداهة بأنها في منتهى الذكاء وإلا كيف يفسر تحكّمها برقاب الملايين في كل بلد رغم كل الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والسياسية والفساد المدمر؟ في مقابل من يرد ببداهة أيضاً بأنها في منتهى الغباء ولو لم تكن كذلك لما أوصلت بلدانها الى الفقر والتعاسة والفوضى القاتلة والانهيار الشامل.
 
استطراداً هل يمكن أن نحصر الحاكم بثنائية الذكاء والغباء؟ الواقع أن هناك ثنائيات عديدة تحدد شخصية الحاكم غير ثنائية الذكاء والغباء. ثنائية الخير والشر، ثنائية المعرفة والجهل، ثنائية الظلم والعدل، ثنائية العمل والكسل، ثنائية الإبداع والعجز، ثنائية العناد والمرونة، ثنائية الـ نحن والـ انا، ثنائية التعاون والفردانية، ... كل هذه الثنائيات القيمية وغيرها تكشف السلطة الحاكمة ورموزها وتحدد مراتبهم على سلم قياس النجاح أو الفشل. 
 
لكن الحاكم ليس شخصاً واحداً، حتى في الديكتاتوريات العتيّة. إنه نسق (سيستم) مكون من شخصية متقدمة، أو مقدمة، على غيرها تحيط بها مجموعة من شخصيات معروفة وأخرى "مجهولة" لا تظهر في الضوء لأنها تفضل العتمة ستارة العيوب، ومن مجموعات من التنفيذيين الذين يتراوح تقويمهم على سلم الأخلاق بين الحثالة وبين رموز النزاهة. هؤلاء جميعاً، موظفين كباراً في الادارة والأمن والقضاء ومستشارين خبراء في شؤون البروباغندا والإعلام، يصنعون صورة السلطة وصورة الحاكم ويكرسون بالتالي صورة البلد ومستقبله بناء على تقاطع شبكات من المصالح والعقائد والتصورات الذهنية.
 
مع مثل هذا النسق يصبح الكلام عن ذكاء الحاكم غير ذي أهمية كبرى. المهم أن "السيستم" يعمل بشكل طبيعي. الحاكم واجهة وناطق رسمي. ببغاء. ماريونيت...
 
في نظام التضليل العالمي، السائر جنباً الى جنب مع نظام التفاهة العالمي، في مفارقة تعكس حال التردي المعرفي والقيمي والأخلاقي تزامناً مع صعود موجة الإعلام الحديث جداً، تصبح العلاقة المعقدة بين السلطات وجماهيرها أكثر ارتباطاً بالميديا حتى لكأنها تصبح وليدتها. كل شيء متعلق بالخبر. والناس ساعون وراء الخبر، يقيناً كان أو غير يقين. وصانع الخبر غالباً هو السلطة بما تملكه من قدرات مالية وبشرية وتجهيزية ومن قدرة على المواربة والخداع ... والتفاهة.
 
تعمد السلطات الى سياسة للسيطرة عبر التضليل والبروباغندا مستخدمة كل وسائل الإعلام المتاحة. هذه السياسة شرحها المفكر الأميركي نعوم تشومسكي في عشر نقاط سماها استراتيجيات التحكم بالشعوب. تعكس هذه الاستراتيجيات خبث السلطات الحاكمة وكذبها وانعدام الضمير عندها.
 
تتقن السلطات، على تخلفها غالباً، لعبة الإلهاء بصرف انتباه الناس عن القضايا المهمة بخلق قضايا تافهة وتحويل الانتباه اليها. يخلق جيشها الإعلامي فضائح وأكاذيب وقصصاً مثيرة ومسلية. ويستدرج الإعلام عموماً الى فتح سجالات ونقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي تبدأ بفستان الراقصة الفلانية ولا تنتهي بقضية طلاق المطرب الفلاني مروراً بلون بكيني الممثلة الشقراء ولون عيني ابن المغنية علانة...
 
السلطات قد تكون مستعدة لأن تحرق بلداً أو تحرمه من الماء والكهرباء والدواء والغذاء... لكنها تفعل ذلك بقلة ضمير وبالتدرج. تبدأ القصة بالتمهيد للأزمة المقبلة والتحذير منها وبالسعي الى تلافيها مقدمة المبررات الكاذبة والحجج المركبة تبعاً للحاجة. تتفاقم الأزمة يوماً بعد يوم والناس تصرخ من المعاناة والسلطات تسبقهم في الشكوى والتأثر. بل قد يبكي حاكم تأثراً أو يزعم آخر أنه لا ينام الليل جراء انقطاع الكهرباء عن فيللته ونقص المياه. وعندما تصل النقمة الى ذروتها ويقترب الانفجار ينذر الجواسيس السلطات بذلك فتسارع الى مد الشعب الغفور بنزر يسير مما فقده فينشرح صدره. ألا ترتفع أسعار الدولار بشكل جنوني يقضي على كل أسباب الحياة في أكثر من بلد عربي ثم يهلل الشعب المسكين لأي انخفاض ولو كان رمزياً ويعتبره انجازاً للسلطات؟
 
بالتدرج يدخل الخازوق، وبالوعود تخدر الجماهير المخوزقة وبالتجاهل تواصل السطات لعبتها رافعة شعارات التضحية المفروضة على المواطن العادي فقط. إنها عملية ترويض للإنسان وعقله حتى الوصول الى مرحلة الشعور بالدونية وبالعجز وبالإنتفاء. 
 
ما أصعب أن تكون مواطناً في بلد يجعلك تحس بضآلتك وحقارتك أمام سلطة انت تعرف أنها فاشلة وعاجزة ولا تستحق المغفرة.
الكلمات الدالة