إعلان

ما يحدث الآن... العودة إلى النّكبة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
عرفات وكلينتون وباراك في كامب ديفيد
عرفات وكلينتون وباراك في كامب ديفيد
A+ A-
آخر ظهور واضح لليسار الإسرائيلي كان في حكومة إيهود باراك خلال مفاوضات كامب ديفيد الثانية، التي عُقدت برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت. أولبرايت رحلت الشهر الماضي، وكُرّمت عبر بيان خاص من جو بايدن، الذي وجد وقتاً لتذكرها في ذروة انشغاله بالحرب في أوكرانيا وتحميل إعانات السلاح وقطع مدافع الهاوتزر 155ملم غير المسبوقة إلى زيلينسكي، بعدما فقد الأخير حصاده المثمر في كييف. 
 
هناك صورة يصعب نسيانها التقطت في تلك الفترة للوزيرة الأميركية وهي تقف الى جوار ياسر عرفات الجالس خلف مكتب، لم تكن في الصورة وزيرة خارجية القوة الأعظم في العالم، كانت سيدة أميركية مرهقة وراضية، صورة متخففة تماماً من حمولات الدبلوماسية وإرشادات العلاقات العامة والمستشارين، تشي بحميمية ما، التعب يبدو واضحاً فيها، إجهاد العمل وكثير من التقدير.
 
ليس واضحاً، بالنسبة إلي أين التُقطت الصورة، ولكن عفويتها مؤثرة، وتتناقض على نحو يكاد يكون مقصوداً مع مشهد الدخول عبر باب خارجي للزعماء الثلاثة، كلينتون وباراك وعرفات، في منتجع كامب ديفيد، وتدافعهم أمام الباب المنخفض بخشبه السميك الغامق. صورة أخرى يمكن تحميلها باستعارات كثيرة، مثل أنهما، باراك وكلينتون، كانا يدفعان عرفات إلى العتمة.
 
باراك كان ذاهباً ليؤكد قراءته لعرفات وليطرح مبدأ "لا شريك فلسطينياً"، المبدأ الذي أثث سياسة الاحتلال الفاشية وحصّنها من شارون إلى نتنياهو إلى بينيت.
 
في تلك الحقبة التي كان قاتل محترف وفخور يقود كتيبة من اليساريين، المقصود هنا اليسار الصهيوني، حين كان وزراء مثل بن عامي ويوسي سريد ويوسي بيلين يشكلون منتخباً من السياسيين الذين أنضجهم الصراع مع الفلسطينيين وصدمتهم بقوة الرصاصات التي أطلقها مستوطن شاب من أصول يمنية اسمه إيغال عمير على ظهر إسحق رابين في وسط تل أبيب، وكان يمكن لمؤرخ إسرائيلي مثل إيلان بابيه أن يتحدث في مدرج جامعة عن "النكبة" الفلسطينية، وأن يستعيد سياسي فلسطيني، يساري أيضاً، تظاهرة نصف المليون في تل أبيب وهي تطالب بالانسحاب من لبنان.
 
كانت تلك الأسابيع المحكومة برد الفعل والخوف والغضب، هي فرصة اليسار الأخيرة في إسرائيل، اليسار الذي لم يصل إلى الحكم بسبب برامجه وبنيته التحتية التنظيمية وقناعة الشارع، ولكن بسبب الغضب والخوف والارتباك، الأسباب نفسها التي حملت جنرالاً دموياً لطي حقبة اليسار القصيرة، هكذا وصل أرييل شارون إلى الحكم بعدما استيقظ الشارع من صدمته وبحث عن الأمان الذي لن يوفره سوى جنرال بمواصفات شارون. وهكذا بدأت حفلة صيد اليساريين في إسرائيل وتفاقمت في حقبة نتنياهو الطويلة، لتشمل مؤسساتهم ومنظماتهم المدنية والجهات المموّلة والحلقة الأكاديمية التي كانوا يحاولون التمترس فيها. انتشرت قوائم سوداء من "كارهي أنفسهم" كما أطلق عليهم قبل دفع بعض نشطائهم إلى الهجرة.
 
لم يكن اليسار الصهيوني يوماً صاحب برنامج لحل الصراع مع الفلسطينيين. موجة الشعارات التي رفعها حول "السلام" لم تكن قادرة على العيش في مجتمع يميني سلفي، تأسس على فكرة دينية تمنحه حقوقاً إلهية، في الاستيلاء على الأرض واستخدام الناس/الغرباء أو "الغوييم" في أشغالهم والعمل الأسود. في ظلال فكرة التفوق، كان اليسار في إسرائيل يؤلّف اقتراحاته، لم يتمكن، الحقيقة لا يستطيع، من أن يتخلص من التعالي ونزعة الوصاية، بحيث تحوّل إلى عبء ثقيل على الفلسطينيين الذين صدق بعضهم دوره في منحهم حقوقهم.
 
الآن يبدو المجتمع في إسرائيل أكثر تجانساً، اليمين الذي يحكم ويفرض ثقافته الفاشية، واليسار الذي يتذمّر ولكن على أرضية برنامج اليمين الفاشي الوحيد.
 
 بقيت تل أبيب عاصمة اليسار حيث يعيش، يأكل ويتنزه ويطلق نظريات "إنسانية" حول البيئة، وتعاليم حول "سلوك" الفلسطينيين تحت الاحتلال.
 
بينما يستدرك الفلسطينيون، بكثير من التعثر والعناد، حكمة الصراع، ليس هناك محتل يساري وآخر يميني، هناك محتل والمحتل فاشي، هذا ما أعاد الصراع إلى نقطة "النكبة"، وهو ما يحدث الآن.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم