إعلان

إيران السّوفياتية

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
 تذكّرني الجمهورية الإسلامية الإيرانية باتحاد الجمهوريات السوفياتية في كثير من الأوجه، وعليه، أتنبأ لها بما انتهت اليه جارتها السابقة، بناءً على المعطيات ذاتها.
 
فالإمبراطورية الشاهشاهنية كما روسيا الإمبراطورية، وحّدت بالقوة دولاً وشعوباً وقوميات مستقلة، ومختلفة عرقياً ومذهبياً، وفرضت عليها ثقافة العرق المنتصر ومميزات النخبة الحاكمة، المسيطرة على  مفاصل الدولة. 
 
فمن إمارة عربستان على ضفاف الخليج العربي التي اجتاحتها جيوش الشاه الأب عام 1928، الى بولشستان وسيستان جنوباً، وخراسان شرقاً، وأذربيجان شمالاً، وحتى كردستان غرباً، قامت الإمبراطورية الفارسية الشاهنشاهية قرابة نصف قرن، حتى ورثتها الجمهورية الإسلامية بعد الثورة الخمينية عام 1979. 
 
وفي الحالتين، حكم الفرس الشيعة، وهم أقلية لا تزيد عن ثلث السكان، غيرهم من الأقليات العرقية، سنية ويهودية ونصرانية، وفرض المذهب الشيعي الجعفري على مرجعية الحاكم والمحكوم. 
 
وهكذا فعلت الإمبراطورية الروسية، عندما احتلت الجمهوريات الإسلامية والنصرانية جنوباً وشرقاً، فصادرت ثقافة هذه الشعوب وفرضت عليها إرادة العرق الروسي، والمذهب الأرثودكسي، والحكم الإمبراطوري. وجاءت الثورة البلشفية في 1917 لتلغي ثقافات الشعوب ودياناتها وتفرض عليها الماركسية الملحدة. 
 
الشيوعيّة والخمينيّة
الشيوعية عقيدة، والاشتراكية نظام  اقتصادي، والنظام السوفياتي يتميز عن غيره بأمميته. وبعكس الصين، التي آمنت بالعقيدة والنظام نفسيهما ولم تعمل على فرضه خارج حدودها، منح السوفيات لأنفسهم مهمة نشر الدعوة وفرض النظام خارج حدود دولتهم. وهكذا فعلوا مع أوروبا الشرقية، وأنظمة حكم في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، دخلت طوعاً أو قهراً في المنظومة السوفياتية، وتحت مظلتها العسكرية والأمنية. 
 
والثورة الخمينية، كحال الخلافة الداعشية، قامت أساساً على مبدأ الأممية. ولأن الإسلام عندها محصور في الشيعة الجعفرية، فإن الدعوة أيضاً ونظام الحكم الذي تعمل على نشره عالمياً يقوم على الطائفية. 
 
وفي هذا السياق، اعتبرت "قم" المقدسة نفسها مكة الشيعة في العالم (متجاوزة بذلك النجف الأشرف)، وكلفت طهران نفسها مسؤولية حماية مصالحهم. فيما نصّب الخميني نفسه، بفتوى غير مسبوقة، نائباً للإمام الغائب، ولياً فقيهاً معصوماً من الخطأ والذنب، وخليفة على المسلمين (في تعارض كلي مع عقيدة الشيعة بتباعد الفقهاء عن الحكم والحكام، بانتظار خروج الإمام المعصوم الثاني عشر، محمد بن الحسن المهدي، من "سرداب الغيبة" في سامراء العراق، والذي دخله طفلاً قبل 1200 عام، بعد أن تحترق الأرض ويعمّ الدمار في الهلال الخصيب، ليقود شيعة آل البيت الى سيادة العالم!). 

تصدير الثّورة والعقيدة
وهكذا وضع دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية لينص على تصدير الثورة الإسلامية (الشيعية) والدفاع عن المستضعفين في الأرض. كما تحوّلت كل الدول التي يحكمها الشيعة الى ولايات تابعة لإيران وتدين بالولاء للمرشد الأعلى للثورة، نائب صاحب الزمن، آية الله روح الله الخميني، ومن يتولى منصبه من بعده. وكل من يتولى منصباً في الدولة يجب أن يؤمن بهذه العقيدة ويسخّر حياته لتحقيقها، وعلى هذا الأساس يتم اختياره لخوض أي انتخابات رئاسية أو برلمانية، ومن حق المرشد الأعلى وحده، أو من يفوّضه، تحديد من يوضع أو يستبعد على قوائم المرشحين. 
 
ولا يختلف نظام "الانتخاب المقنّن" عما كانت عليه حال الاتحاد السوفياتي. فكل من يترشح لأي منصب عليه أن يثبت ولاءه لمبادئ الحزب الحاكم وعقائده. ومن حق السكرتير  العام للحزب، أو من يفوّضهم، وضع قوائم المرضي عنهم، سواء للانتخاب أم للتعيين. وفي الحالتين الإيرانية والسوفياتية فلا محل لرؤية مختلفة، ولا لمعسكرين مختلفين، حمائم وصقور، متشددين ومعتدلين، محافظين وليبراليين، فالكل يسعى الى تحقيق الأهداف نفسها بالنظام نفسه وداخل المنظومة نفسها، ولكن بآليات تنفيذ تتراوح بين استخدام قناع الدبلوماسية مع الخارج، أو الخطاب الصريح بلا تلطيف أو مواربة. 
 
عسكرة الاقتصاد
ولأن الأنظمة التوسعية تقوم على القوة، فهي تعطي أولوية للعسكرة العرقية والأيديولوجية، في الجيش والأمن والاستخبارات. والقوة هنا موجهة لتأمين الداخل وترهيب الخارج، وتركيع المناطق المحتلة. وهكذا يعود مفهوم القبيلة بالاعتماد على الولاء العنصري والعقائدي، ويتم اختيار أكثر العناصر ولاءً لإدارة وتشغيل مؤسسات نخبوية تحفظ الأمن وتحمي الدولة وتضمن الالتزام برسالتها وتحقيق مهامها في الداخل والخارج. 
 
ولأن الموارد محدودة مهما كانت غزيرة، فإن الصرف على الأولوية العسكرية والأمنية يضعف من المتاح للتنمية والخدمات المجتمعية. وعملية الاستقطاب والإقصاء بناءً على مسطرة الولاء والبراء، يستبعد أهل الكفاءة ويمكّن أهل الثقة. وهذا بدوره يؤدي الى ازدهار بيئة الفساد والمحسوبية والتسلط، وضعف المبادرة الفردية والأنشطة الاقتصادية ونزاهة المنافسة وحرية السوق. وكلما شحت الموارد زاد الاقتتال عليها، وتكاثرت الشللية والعصابات وأنشطة الجريمة المنظمة. 
 
وفي الحالتين، الإيرانية واقتصادها المقاوم، والسوفياتية واقتصادها الاشتراكي، اعتمدت ميزانية الدولة على الموارد الطبيعية، النفط والغاز، في الدولة نفسها وفي المناطق المحتلة. وإن تميز الاقتصاد السوفياتي بصناعة أسلحة متقدمة، في كل المجالات، يمكن بيعها لأعضاء حلف وارسو والدول داخل المعسكر الاشتراكي وخارجه، فيما تنحصر صناعة السلاح الإيراني في الصواريخ والطيران المسيّر، وللتصدير كمساعدات للميليشيات الإيرانية.
 
حرب الموارد
وعندما قرر الرئيس الأميركي رونالد ريغان، في ثمانينات القرن العشرين، رفع وتيرة سباق التسلح مع الاتحاد السوفياتي، ملوّحاً بمشروع "حرب النجوم"، الذي يعد بإسقاط الصواريخ البالستية الروسية باستخدام منصات ليزرية في الفضاء الخارجي، كان يدرك أن الاقتصاد الاشتراكي لن يستطيع المواكبة، وسينهار في نهاية المطاف أمام إمكانات أميركا المادية الهائلة، وهذا ما تحقق عام 1991.
 
واليوم، تقع إيران في الشرك نفسه، فتسخّر إمكانات اقتصادها "المقاوم" المحدودة، ومواردها المحاصرة بالعقوبات الأميركية والدولية، لسباق تسلح مع دول الخليج الغنية بمواردها الطبيعية والتنموية، واقتصادياتها المزدهرة. وتركز، كما فعل السوفيات، على القدرات الصاروخية، وأسلحة الدمار الشامل، لتعوّض الضعف النوعي والتقني في الأسلحة التقليدية. 
 
ولذلك أراهن على أنه لا أمل في ثني طهران عن مشروعها النووي، مهما كانت المغريات، أو نصّت الاتفاقيات. ولا حل إلا في تخريب هذه القدرات وتدميرها، بضربات عسكرية، سبرانية أو استخبارية، على المدى القصير. وزيادة الضغوط  الاقتصادية والعقوبات المالية، حتى ينهار النظام من داخله كما انهار الاتحاد السوفياتي. 

الطّريق المسدود
أما المسار الذي يجب على العالم أن يتفاداه، فهو تصديق أن الثورة الخمينية المشتعلة منذ أربعين عاماً، يمكن أن تنطفئ بمجرد التوقيع على اتفاق مكتوب، وتلغي دستورها المصدّر للجحيم بتفاهمات مع الوجه الباسم للنظام، وتكفّ عن سعيها للردع النووي إكراماً لليبرالية واليسارية المهادنة. كما على المجتمع الأممي أن لا يتوقع من دول المنطقة القبول بسلاح نووي في يد نظام الملالي وثيران الحرس، من دون أن تسعى بدورها الى حيازة سلاح ردع مماثل. 
 
الساعة الحادية عشرة مضت، واقتربت الدقائق الأخيرة لأول تفجير ذري. وعلى العالم أن يقرر فوراً ما إذا كان سيبطله ... أو ينتظره ليشهد سباق تسلح نووي على صفيح من زيت ونار، ليس بينه وبين كبرى عواصمه سوى مسار جوي تقطعه صواريخ "شهاب" في دقائق.  
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم