إعلان

خَارِجَ الطَوائِف تُكابدُ النِبالَ عَارِياً!

المصدر: النهار العربي
حسن المصطفى
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
لا يروقني أن أبقى داخل الطائفة، ولا أن أتحوّل هجاءً لها. الأقفاص سجون موحشة، والشتائم لن تحررك من سطوة العقل الجمعي الذي لا تريد أن تكون مجرد صدى له!

دائماً ما أكتب في صفحتي الخاصة عبر "تويتر"، عبارة كررتها ربما حتى امّحت أحرفها: الطائفية حبل مشنقة، اقطعوها!

برغم أن الحبل نتن الرائحة، شرره يتطاير، ولسانه كأفعى ماكرة تبث سمها، إلا أن الكثيرين ينشدونه، يعتقدون أنه طوق النجاة الأثير، والحبل الواصل بين السماء والأرض، والطريق المستقيم للفردوس المقيم!

بقدرِ ما أعيتني الطوائف، بقدر ما أفهم قلق المحتمين بها وخوفهم وذعرهم. لأنه في الوطن العربي والعالم الإسلامي، لم تتشكل حتى الساعة هوية وطنية حقيقية في كل دولة، بمعنى، أن مفهوم "المواطنة الشاملة" الذي هو أساس المجتمع المدني والدولة الحديثة، ما زال المفهوم منتهكاً، غير ناجز، وغائباً عن كثير من أدبيات العمل السياسي.
 
لذا، "الهويات الفرعية"، أكانت: الطائفة، المذهب، القبيلة، المنطقة، الجهة، العائلة.. هي حصونٌ أكثر منعة، وعصبوية، وتكتلاً، بنظر سكانها، يجد فيها المرء راحته، طمأنينته، حتى لو كلفته غالياً، وجعلته يسلّمُ عقله وحياته إلى سيد "الهويات القاتلة".

ليس المواطن البسيط أو الأُمّي هو من يرخي رأسه إلى حضن الطائفة والقبيلة، بل نجد المثقف والسياسي والكاتب والفنان والعالم، كثيراً من هؤلاء، في فترات الشدة، يخلعون أثواب المدنية والليبرالية، وتنتكس علمانيتهم، ويغدون سدنة متعصبين للهيكل.

المصالح الاقتصادية المتضادة، النزاعات، الحروب، القتل والدماء، وغريزة البقاء، تخرج أسوأ ما لدينا في كثير من الأحيان، وتدفعنا لأن نكون كائنات مفترسة، شرسة، لا رحمة ولا عقل لها.

لا أشعر بالراحة البتة، وأنا أكتب عن المذهبية، لأنني لا أريد أن أكون جزءاً من سياقها، ولا منتمياً لثقافتها، ولا منشغلاً بها؛ إنما المعضلة الأعوص، أنها هي من تلاحقنا كلما أزحنا ظلها الثقيل عنا، نُرمى بها، وتعلقُ صخارها الساخنة على صدورنا!

لا أخجل من الطائفة التي أنتمي بيولوجياً وبيئياً وعائلياً لها؛ فهم أهلي الأحباب، رفاق دربي الخلّص، خطواتي الأولى، وذكريات الأيام التي لا تنتهي. إنما بقدر ما الهوية المذهبية هي ختمٌ أوليٌ، وسمةٌ تلقائية بالولادة، هي أيضاً خيارٌ فرديٌ ناضجٌ يأتي في النهاية، بعد تجربة ومراس ومساءلة للأفكار والعقائد والأديان، يستطيع المرء أن يجترحه بحرية ونضج.

لي هويتي الخاصة، الذاتية، التي تشبهني أنا فقط، ولا تشبه أحداً غيري، لأنها جزء من المعاناة، والدرب الذي رسمته، وفضلتهُ على الخيارات الجاهزة أو البسيطة أو المعلبة.

قديماً قال المتصوفة: "من كانت له قدمٌ في العشق خالصة، فقد تجاوز الكفر والإسلام معاً". وتحضرني المقولة الأكثر بلاغة في وصف محيي الدين ابن عربي، بأنه "فوق التسنّن والتشيّع".

هذا التعالي، التجرد من الحدود، الفضاء المتسع الممتد هو ما أبحث عنه. هو الأفق الذي لا أريد لأحد أن يسلبه مني، ولا أريد أن يكدّر صفوه عليَّ كائن من كان.
لا أبالغ إذا قلت إن شعوراً بالقرف والمرارة والاشمئزاز، يعتريني كلما وجدت هذه المياه المتسخة الممتلئة باللزوجة تلتصق بأقدامنا، وتكسر الأجنحة التي تروم معانقة السماء.

أن تفرد روحك، وتجعل عقلك ينبوع حكمة ونور، وتتواضع، وتتراحم، وتتأنسن، وتتعلم، وتتفكر، وتتأمل، ويكون الدين لديك "رحمة للعالمين"، هو منهاجٌ يراه الكثيرون ضلالاً أو تمرداً من الابن العاق، الذي آنَ للعصا الغليظة أن تهز في وجهه؛ إلا أنه في الحقيقة مرانٌ يأخذك نحو الحياة الكريمة البسيطة.

الرحمةَ يا سادة، شيئاً من اللطف بالبشرية، فقد أعيت نفوسنا الكدمات، وأغرقتنا مشاهد الدماء، وصمّت آذاننا الخطب الطنانة لدعاة الكراهية والعنصرية.
أن تكون ما تريد، خارج الطوائف، يعني أن تصارع الموج من دون شراع، أن لا أزرار في قميصك، أن لا درع، أن لا رمح ولا سيف ولا قوس في يديك؛ وليس هنالك من سيمنحك حتى خرقة قماش تمسح بها الدماء المنسكبة على عينيك، وتسدّ بها شقوق الجسد التي امتزج فيها الملح بالوجع، وكوتها أشعة الشمس الحارقة!

خارج الطوائف، أنت هنالك، أرضٌ ترتجُ من تحتك، وبيتٌ بلا سقفٍ يحيمك الطير الأبابيل، ولا عاصم من الطوفان إلا أن يكون قلبك معلقاً بالعرشِ؛ عرش النور والجمال والرأفة والحكمة، وأن تتذكر أن "قلب العارف لا يتوجع حتى لو قُطع بالمقاريض".

افتح عينيك، ما تبصره من ضحكات للمساكين داخل أقفاص الطوائف، ليست إلا رقصة الغجرِ الأخيرة، قبل المحرقة التي يساقون لها ببلاهة واستسلام.. أما وجعك الذي تئنُ له، فهو قيامتك، ميلادُ النور والحرية والتسامي، والعنفوان الذي سيقودك إلى فردوسٍ يجهله كثيرون.
كُن أنت، ولا تكن الآخرين، أياً كان هؤلاء. هم قد يكونون الجحيم، لا لخبثِ عنصرهم، أو سوء طبيعتهم، بل لظلامِ القبور التي يقبعون فيها، ولا يطيقون لها فراقاً!
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم