إعلان

 أفغانستان... روسيا تعود من بعيد

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
مقاتلو طالبان ايام الحرب ضد الاحتلال السوفياتي
مقاتلو طالبان ايام الحرب ضد الاحتلال السوفياتي
A+ A-
منذ 15 شباط (فبراير) 1989، تاريخ الانسحاب السوفياتي من أفغانستان، سعت روسيا إلى النأي بنفسها عن الحوادث التي تسارعت بعد رحيلها عن هذا البلد. من سقوط الحكومة التي خلفها السوفيات وراءهم بقيادة بابراك كرمال ومن ثم نجيب الله عام 1992، إلى تسلّم الفصائل الأفغانية السلطة والمعارك التي خاضتها في ما بينها، حتى زحف حركة "طالبان" على كابول عام 1996، واستيلائها على معظم أنحاء البلاد باستثناء جيب في أقصى الشمال، حتى الغزو الأميركي في تشرين الأول (أكتوبر) 2001، بعد أسابيع من هجمات 11 أيلول (سبتمبر) على نيويورك وواشنطن، التي تبناها تنظيم "القاعدة" الذي كان زعيمه أسامة بن لادن يتخذ من أفغانستان مقراً له.  
 
برغم القرب الجغرافي، فإن الروس دفعوا غالياً ثمن التدخل في المستنقع الأفغاني، الذي كان عاملاً أساسياً في انهيار الاتحاد السوفياتي، ولهذا التزم الكرملين موقفاً حذراً من مجرى الحوادث في أفغانستان، وخصوصاً عقب الغزو الأميركي الذي تحول إلى أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة في الخارج، وكبد الجيش الأميركي أكثر من ألفي قتيل وعشرات آلاف الجرحى، فضلاً عن تكاليف مالية تفوق تريليوني دولار.   
 
والموقف الروسي الثابت بعد الغزو الأميركي، كان قائماً على دعوة أميركا وحلف شمال الأطلسي إلى التأكد من أن التنظيمات الإرهابية، على غرار "القاعدة" و"داعش"، لن تعود لتتخذ من أفغانستان مقراً، قبل اتخاذ قرار بالانسحاب.   
 
وبعد الانفتاح الأميركي في الأعوام الأخيرة على حركة "طالبان" من باب الواقعية السياسية والعسكرية التي تسلّم بأن أميركا لن تؤمّن استراتيجية الخروج من أفغانستان من دون اتفاق مع الحركة، انفتحت موسكو هي الأخرى على "طالبان" وأقامت اتصالات معها مثلما فعلت باكستان وإيران، وصولاً إلى انعقاد مؤتمر الحوار الأفغاني - الأفغاني في موسكو الأسبوع الماضي، بحضور وفد من "طالبان" وآخر من الحكومة الأفغانية  والممثل الأميركي الخاص إلى أفغانستان زلماي خليل زاد وممثلين عن باكستان وإيران وقطر وتركيا. وكان يُنظر إلى هذا الاجتماع على أنه الخطوة الروسية الأبرز على صعيد عودة الجهود الروسية إلى أفغانستان.  
 
لكن في الوقت نفسه، كان ثمة حرص روسي على إدراج المؤتمر في سياق اجتماعات الدوحة للحوار الأفغاني - الأفغاني، الذي كان بنداً رئيسياً في الاتفاق الذي أبرمته الإدارة الأميركية مع "طالبان" في شباط (فبراير) من العام الماضي. الفكرة الأميركية تقوم على إشراك الحركة في الحكومة الأفغانية في مقابل توفير ضمانات بانسحاب أميركي آمن وتعهد بعدم عودة "القاعدة" إلى أفغانستان والتصدي لـ"داعش" الذي يحاول توسيع نفوذه في هذا البلد.
 
إن توسيع قاعدة الأمان في بلد مثل أفغانستان ليس بالأمر السهل. هذا ما تدل عليه التجارب التاريخية والهزيمة المرّة التي لحقت بالإمبراطورية البريطانية ومن بعدها الاتحاد السوفياتي، فضلاً عن تشابك التركيبة القبلية والطائفية للمجتمع الأفغاني وتنازع الحكم في ما بينها.   
 
وبحكم هذا الواقع، وبناءً على التجربة التاريخية، تبدو روسيا أقرب إلى فهم الوضع الأفغاني الموغل في التعقيد. لكن روسيا المكتوية بنار التدخل العسكري المباشر، حاذرت بعد 2001 تكرار التجربة، وانفتحت في الوقت نفسه على الحكومة الأفغانية برئاسة أشرف غاني ومن قبله حامد كرزاي. 
 
ومع ذلك، بقيت الولايات المتحدة تنظر بعين الريبة والشك إلى الدور الروسي في أفغانستان، وذلك من منظور التنافس الجيوسياسي مع موسكو. وليس أدل على ذلك ما ورد في تقارير استخبارية أميركية من اتهامات لموسكو بدفع مكافآت لـ"طالبان" مقابل قتل جنود أميركيين. طبعاً، ينفي الكرملين هذه الاتهامات بشدة ويدرجها في سياق محاولات تبذلها قوى أميركية، من أجل تخريب العلاقات الأميركية - الروسية.
 
وقد أتى الرئيس الأميركي جو بايدن على ذكر هذه الاتهامات أكثر من مرة، في معرض تدليله على الدور "العدواني" لروسيا في أكثر من مكان في العالم. ومع وصول العلاقات بين البيت الأبيض والكرملين إلى أدنى مستوى من التدهور عقب وصف بايدن الرئيس الروسي بأنه "قاتل"، فإن هذا التدهور من شأنه مفاقمة سياسة الاستقطاب بين واشنطن وموسكو، وانعكاس ذلك تالياً على النزاعات الدولية ومن بينها أفغانستان.




Sent from my Galaxy
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم