إعلان

حكومة الإنقاذ المستحيل بنفوذ "حزب الله"!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
ابراهيم حيدر
الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء نجيب ميقاتي
الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء نجيب ميقاتي
A+ A-
لا تعني عودة الحكومة اللبنانية إلى الاجتماعات أن المسار اللبناني سلك طريق الحل الشامل، بتسوية جرى التوصل إليها بين القوى السياسية والطائفية على الملفات الخلافية التي عطّلت الحكومة والبلد لأربعة أشهر. فالأزمة في لبنان ليست سياسية داخلية فحسب، بل لها امتدادات إقليمية ودولية، يعكسها الصراع القائم وارتباط أطراف بمشاريع خارجية لها أجندات في المنطقة، ويأتي في مقدمها "حزب الله" الذي وافق على العودة إلى الحكومة لاعتبارات لها علاقة بالداخل أولاً، فيما حساباته ترتبط بسياقات المنطقة ومرجعيته الإيرانية، لذا اعتبر أن وظيفة تعطيل الحكومة لم يعد لها جدوى، أقله في المرحلة الراهنة، وهي تزيد أعباءً إضافية على مشروعه، مطمئناً إلى تقييد عمل المحقق العدلي في تفجير المرفأ طارق البيطار وترحيل تحقيقاته إلى مرحلة لاحقة.
 
الخلافات الداخلية في لبنان، وإن كانت عميقة ومعقدة وممتدة جذوراً في البنية الأهلية الطائفية، ليست هي الأصل اليوم، رغم الاستعصاءات حول تشكيل الحكومات، والتي أدت إلى تعطيل البلد وانزلاقه الى الانهيار. تركز القوى السياسية والطائفية على الموازنة وخطة التعافي وتنصرف إلى التحضير للانتخابات، وهي تنهمك لتحقيق مكاسب في السلطة بالدرجة الأولى، تهيئة لما يمكن أن يكون عليه التفاوض حول النظام المقبل وتوازناته ومراكز الهيمنة داخله. لذا يأتي اجتماع الحكومة الأول بعد تعطيل أربعة أشهر لمناقشة الموازنة، وهي تتضمن بنوداً موجعة للبنانيين، من ضرائب ورسوم، بما يعني تحميل تكلفة الأزمة والانهيار لهم، فيما تركز الحكومة على المساعدات الخارجية والقروض لإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية، كوظيفة أولى، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في أن الإنقاذ له مسار مختلف. وعليه لن يؤدي اجتماع الحكومة بحضور وزراء "الثنائي الشيعي" إلى تغيير شامل في مسار الأزمة، ما لم تُحسم الملفات الشائكة، وأبرزها التحقيق في تفجير مرفأ بيروت، ومنها تلك المرتبطة بالنظام واتفاق الطائف، وما يتضمنه من بنود لم تُطبق حتى الآن، إضافة إلى استرهان البلد للخارج عبر مشاريع وارتباطات وتدخلات بالسلاح في المنطقة.
 
سيتركز عمل الحكومة اليوم بعد عودتها إلى الاجتماعات على إقرار الموازنة، إضافة إلى بعض القرارات المتعلقة بالرواتب والأجور والمساعدات للموظفين، إضافة إلى تسيير بعض المرافق المعطلة مثل الكهرباء، وإقرار إصلاحات من ضمن خطة التعافي في إطار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، من دون أن تصل الأمور إلى مناقشات تتعلق بالنظام، والتي تحتاج توافقات سياسية داخلية وإقليمية ودولية، ما يعني أن القوى الطائفية كلها تريد تمرير هذه المرحلة في انتظار الانتخابات النيابية. وبينما كان لدى "حزب الله" مثلاً اشتراطات للتفاوض حول بنود معينة مع صندوق النقد، فإنه اليوم لا يمانع بطرح أي ملف، وإن كان يعتبر أن عودته إلى الحكومة هي لإقرار الموازنة.
 
تشكل عودة "حزب الله" وحركة "أمل" إلى الحكومة، موافقة غير مباشرة على إقرار الموازنة، بما تتضمنه من ملفات وبنود، وهي مهمة قبل الانتخابات النيابية، إذ وصلت أمور البلد وأزماته الى نقطة مفصلية اقتربت من اللاعودة، وانعكست كوارث على جمهور الفريقين، وهو ما يضطر "الحزب" لتمرير مشاريع مرتبطة بالموازنة، لتتمكن الحكومة من التفاوض مع صندوق النقد. وفي الواقع لا يؤثر إقرارها في بنية "حزب الله"، فبالنسبة إليه هي أمور لا تغير من تركيبة بنيته الخاصة المدعومة من إيران وهيكليته التنظيمية العسكرية، فهو ينظر إلى البلد من حسابات تتعلق بالمنطقة وتوازناتها، وما قد ينتج من المفاوضات النووية، وإن كانت بيئته الأهلية تتأثر بكل هذه العناوين. وهو ينتظر أيضاً ما ستؤول إليه المفاوضات حول النفوذ، ما دامت إيران تمسك بأوراق وأذرع مسلحة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، ومنها تستمد قوتها وتفاوض أحياناً بتحريكها في المنطقة.
 
عودة الحكومة هي لتمرير هذه المرحلة الصعبة، ومن ضمنها مشاركة "حزب الله" فيها، اعتباراً أن الحل يرتبط بالمنطقة كلها، ومعها التسويات الداخلية حول صورة النظام المقبل. وقد تكون عودة "الحزب" جزءاً من الوظيفة الإيرانية لجعله مفاوضاً أيضاً كورقة من أوراقها، في لبنان وسوريا. وعلى هذا الأساس يبدو "الحزب" مقتنعاً أو على الأقل متيقناً من أن تغييراً سيطاول التركيبة اللبنانية، خصوصاً بعد الانتخابات النيابية المقررة في أيار (مايو) المقبل، إلا إذا انفجر الوضع وتأجلت، وهذا التغيير يطاول أيضاً كل ملفات المنطقة، بما فيها الصراع مع إسرائيل وترسيم الحدود والملف السوري. لذا يحتفظ "حزب الله" بقوته وسلاحه وتدخلاته في المنطقة لتكريس نفوذ أكبر في التركيبة اللبنانية المقبلة، إذا سارت ملفات التفاوض بما يتناسب مع مصالح الإيرانيين.
 
سنشهد في المرحلة الفاصلة قبل الانتخابات بعض الاستقرار، مع عودة الحكومة وتدخل مصرف لبنان لضبط سعر الصرف، إلى أن يصير عاجزاً بانتهاء الاحتياطي، وإذا تدفقت المساعدات والقروض، تكون المفاوضات قد قطعت شوطاً نهائياً في ترتيب أوراق المنطقة. لكن هذا السيناريو أمامه الكثير من التعقيدات، إذا كانت المراهنة من خلاله على فتح الأبواب اللبنانية عن مخارج وتسويات، فالواقع يشير الى أن الحل النهائي للوضع اللبناني لا يزال بعيداً، ومنه تُطرح تساؤلات إذا جرت الانتخابات النيابية، هل سيتمكن لبنان من انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون؟ وهل سيتمكن من تشكيل حكومة جديدة؟ وهل ستفتح التسوية على تغيير في بنية "حزب الله"؟ أسئلة كثيرة تُطرح أيضاً حول المستقبل اللبناني في ما يتعلق بالنظام والتركيبة، وفي كل الحالات يخسر البلد رصيده ونقاطه المضيئة ومكتسباته التاريخية...
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم