إعلان

غوغائية... "الموت لأميركا"

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
الموت لأميركا على جدار بيروتي وتنصيب بايدن في واشنطن
الموت لأميركا على جدار بيروتي وتنصيب بايدن في واشنطن
A+ A-
أثناء تجولي في شوارع العاصمة اللبنانية بيروت، لفتتني عبارة "الموت لأميركا" المكتوبة على أحد جدران منطقة حوض الولاية في الشطر الغربي للعاصمة، فالتقطت صورة لها واحتفظت بها على سبيل اللهو، من دون أن يخطر لي أن أعود لغوغائيتها يوماً. 

لكن تلك العبارة عادت إلى ذاكرتي وأنا أتابع مشهد منصة تنصيب الرئيس جو بايدن أمام مبنى الكابيتول في واشنطن العاصمة والتي احتوت ثلاثة رؤساء سابقين -بغياب ترامب الغاضب وجيمي كارتر المصاب بكورونا- ونائب الرئيس مايك بنس وعدداً من الساسة والمسؤولين من الحزبين الديموقراطي والجمهوري، الذين، ورغم خلاف حزبيهما العميق حول السياسات، اجتمعوا للتصديق على الانتقال السلمي للسلطة في إحدى أقوى الديموقراطيات في العالم الحديث.

المشهد الذي تابعه الملايين حول العالم ليس انتصاراً لحزب على آخر في إحدى أشرس المعارك الانتخابية فحسب، بل هو انتصار واضح لمبدأ إنساني مقدس نفتقده في عالمنا العربي هو "لا صوت يعلو فوق صوت الشعب و إرادته". هذا المبدأ كرس في بداية الدستور الأميركي 
We the People of the United States of America ولا يمكن لرئيس الولايات المتحدة الأميركية، وهو الرجل الأقوى في العالم، أن يغتصبه أو يحوره لمصلحته الشخصية الآنية على غرار ما فعل الرئيس السابق دونالد ترامب بدءاً بالتحريض على العنف وادعاء التزوير والغش الانتخابي وصولاً الى الهجوم الفاشل على مبنى الكونغرس في الأسابيع المنصرمة. النظام الديموقراطي الأميركي عظيم لكنه ليس كاملاً، وهذا ما أكدته ولاية ترامب والسياسة العنصرية الخرقاء التي اتبعها في مواجهة تحديات خطيرة على رأسها جائحة كورونا وحادثة مقتل المواطن الاميركي من أصول افريقية جورج فلويد التي كادت تودي بأميركا الى حرب عرقية.

الكلمات التي ألقيت أثناء حفل التنصيب ليست بالخطابات الشعبوية الفارغة الغوغائية التي عودنا عليها ترامب، بل هي أتت لتذكّر العالم بأهمية الديموقراطية بشكل عام وليس بنسختها الأميركية فحسب، وبأهمية الحب والعمل نحو نشر الخير ومحاربة الشر.
 
في مباركته للحفل ركز الأب ليو دونفان اليسوعي الرئيس السابق لجامعة جورج تاون - جامعتي الحبيبة - على أهمية الحب والمسامحة والمساواة للجميع  مذكراً بأهمية كلمات البابا فرنسيس حول حلم البشرية مجتمعة لأن الأحلام المنفردة تعرضنا لرؤية سرابات غير موجودة، "فإن الاحلام تبنى جماعة". 
 
خطاب بايدن التنصيبي جاء رئاسياً إنسانياً في الوقت عينه ليحدد التحديات التي تواجه الأمة الاميركية والبشرية بشكل عام. لكن بايدن ذكرنا في صميم كلمته بأن الديموقراطية هشة إنما قيّمة، وأن الأفكار والقيم ليست تماثيل أو أبنية بل ممارسات يومية وجهاد حقيقي من أجل تحقيق السعادة والرخاء للجميع مع الإبقاء على التعددية والاختلاف في الرأي.
 
ربما يشكك البعض في الكلمات الجميلة التي رددت أمس في واشنطن، لكن يصعب التشكيك في أن انتخاب كامالا هاريس، أول امرأة سوداء من أصول شرق آسيوية، هو إنجاز ليس بالسهل وأن النظام الديموقراطي الحقيقي، رغم كل شوائبه، قادر على تصحيح نفسه وتنظيفها من الأمراض المكتسبة، إن اتت على شكل رجل يدعى دونالد ترامب او مؤسسة الحزب الديموقراطي او الجمهوري المتحجرة.
 
كلمات الاب دونوفان جعلتني أحلم ولو لبرهة بأن يستيقظ عالمنا العربي من الكابوس  الشعبوي الذي يحكمنا منذ عقود و الذي ينادي بـ "الموت لأميركا"، لكنه يطمح في الوقت عينه بالهجرة الى الغرب و الولايات المتحدة طمعاً بالحلم الأميركي.
 
واليد التي مهرت حائط منطقة حوض الولاية بالحقد والكراهية قد تعود يوماً إلى رشدها وتستبدل رسمتها الغوغائية بأخرى أكثر تسامحاً وحباً وتنادي ببلدان أفضل خالية من الشعبوية وأنظمة القتل، وتسودها الديموقراطية، الثقافة الوحيدة التي تصلح أن تكون نبراس شعوبنا العربية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم