إعلان

ما بعد الربيع العربي... أزمة السياسة أم أزمة الديموقراطية؟

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
تظاهرات الربيع العربي في تونس
تظاهرات الربيع العربي في تونس
A+ A-
مرت الى الآن عشر سنوات على ما سمّي بـ"الربيع العربي" في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. عقد كامل تغيّر فيه وجه المنطقة ليس في اتجاه الاستقرار وترصيد ما تم إنجازه، بل في اتجاه الفوضى وعدم الاستقرار وانتقال عدد من دول المنطقة إلى نادي الدول الفاشلة. الربيع العربي كان مزيجاً من رهانات ومطالب محلية تتوزع بين ما هو اجتماعي واقتصادي وبين ما هو سياسي يتعلق بدمقرطة آليات الحصول على السلطة، وما هو خارجي ظل وفياً لمنطق التفكيك والفوضى الخلاقة لجعل المنطقة سهلة الانقياد والإنخراط غير المشروط في مشاريع القوى الكبرى الموجهة للمنطقة. 
 
بعد عشر سنوات كاملة، يصح طرح السؤال، ماذا تحقق، خصوصاً في الجانب المتعلق بالسياسة والصراع من أجل بناء الديموقراطية؟ السمة الغالبة على المنطقة اليوم هو دخولها نفق أزمات سياسية لا تنتهي إلا لتبدأ دورة جديدة، وأن شعوب المنطقة منفصلة تماماً عن النخب التي تقود الدول أو تسعى لقيادتها، ما يجعل الشارع في مواجهة مع النخب التي كان من المفترض أن يكون داعماً لها، وما تشهده تونس هذه الأيام، يعتبر مثالاً واضحاً على حجم الفجوة بين بنية الحكم الحالي والشعب الذي لم تتم تلبية مطالبه الاجتماعية والاقتصادية بالنظر إلى تعقيدات المرحلة الانتقالية وأساساً إلى تضخم الجوانب السياسية والانتخابية، والتي أصبحت لدى البعض هدفاً في حد ذاتها وليست وسائل للإنجاز وتلبية مطالب الشعب. 
 
هل نشهد اليوم نهاية السياسة في بلدان المنطقة العربية؟ لكن في المقابل، هل تخضع السياسة لمنطق "النهايات"؟ إذ لا يمكن تصور قيام الدول من دون سياسة بأبعادها المختلفة. ربما نحن على الأرجح في مرحلة مخاض يسبق قيام ممارسة سياسة جديدة على أسس مختلفة، لكن السؤال، هو ما كلفة مخاض مرحلة الانتقال من منطق السياسة إلى منطق مخالف؟ فمنذ سنوات يتراجع إهتمام الناس بالانخراط في نوع من السياسة، ترسم سقفها وأفقها مكونات النسق السياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سواء تعلق الأمر بالأنظمة السياسية أو المجموعات السياسية، لأن ذلك الأفق ببساطة، يخالف تماماً، انتظارات المجتمعات في المنطقة، بل ولا يأخذ بعين الاعتبار حجم التحولات التي عرفتها مختلف الطبقات الاجتماعية وبخاصة الطبقة الوسطى التي تعتبر عملياً حجر الزاوية في أية ديموقراطية، فالملاحظ أن هذه الطبقة عرفت تفككاً كبيراً وتقهقراً لا يخفى على أحد، بل إن هويتها تغيرت في شكل جذري أو تكاد بفعل تأثير التحولات البنيوية على المستوى الاقتصادي والتي تتسم بقدر كبير من الانفتاح على الرأسمال العالمي... هذا الانفتاح، الذي كان الهدف من ورائه تجديد مشروعية الأنظمة وإكتساب زبناء جدد لها، تحوّل إلى ما يشبه معول هدم للبنيات التقليدية، فهو حامل لقيم جديدة مختلفة تماماً عن القيم التي كانت سائدة في الماضي. 
 
إن خضوع عدد من بلدان المنطقة لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية خصوصاً لناحية تفكيك القطاع العام وإنهاء دور الدولة المتدخلة وبروز الحد الأدنى من دولة الرعاية، بدأت آثاره اليوم تظهر في شكل واضح من خلال فك الارتباط الجاري مع الدولة من خلال فئات اجتماعية كثيرة أضحت تفضّل البحث عن الحلول الفردية بما فيها الهجرة إلى الخارج، فما قامت به الدولة في المنطقة، انطلاقاً من برامج الخصخصة ووصولاً إلى الإنفتاح الكلي على الاقتصاد العالمي المعولم، من دون رؤية فكرية أو خلفية علمية ولا تهيّؤ اجتماعي دقيق، كان من الطبيعي أن تكون له نتائج وتبعات، وأهم تلك النتائج هو ضعف الرأسمال الاجتماعي وبروز النزعة الطائفية والمناطقية وما يشكله ذلك من مخاطر على اللحمة الوطنية.
 
إن ما يسميه البعض "موت السياسة" هو في الواقع تعبير مجازي ليس أكثر من حالة إنفصال جارية بين الدولة والمجتمع في المنطقة، وهي نتيجة طبيعية ورد فعل على تقديم الدولة استقالتها من الشأنين الاجتماعي والاقتصادي، فلا يجب أن نغفل أن تعامل الناس مع السياسة والانتخابات والشأن العام مؤطر بنوع من العقلانية التي تسعى إلى تحقيق مكاسب، ومتى افتقد الناس النتائج التي تعود عليهم بالنفع، فإنهم بصورة طبيعية يحجمون عن هذا النوع من السياسة، لكن الناس يواصلون التعبير عن مواقفهم ومطالبهم سواء في شكل جماعي أو فردي، وما ينشر بالآلاف على وسائل التواصل الاجتماعي وما يتسم به بحس نقدي عالٍ يجنح في بعض الأحيان إلى البذاءة والشعبوية، لخير دليل على أن السياسة ما زالت على قيد الحياة لكنها بحاجة إلى منطق جديد في التعامل وإلى فاعلين جدد قادرين على استثمارها في الاتجاه الإيجابي.
 
هل نحن فعلاً في أزمة؟ أم أننا بصدد الخروج منها؟ هل الأزمة ترتبط بالسياسة والسياسيين وحساباتهم المختلفة؟ أم أن الأمر يتعلق في العمق بأزمة الديموقراطية كاختيار وكمفهوم، بما هي أزمة الإرادة السياسية في تحقيق ديموقراطية كما تكرّست في التجربة التاريخية لدى عدد من شعوب هذا الكوكب... المسألة اليوم لا تتعلق بأحزاب أو حكومات أو أشخاص، بل تتعلق بالخيار الديموقراطي، وأنه ليس هناك بديل عن هذا الخيار، وأنه هو الوحيد الذي يمكن أن يقود بلداننا - بغير كثير من الخوف - في عالم متحوّل إلى مستقبل أكثر أمناً ومجتمعات أكثر تماسكاً، أما خلاف ذلك فلا يعني سوى تكريس النفور من السياسة وتراجع الرهان الواعي على المؤسسات والتدافع داخلها، وفقاً لقواعد لعب واضحة تمنح الحقوق نفسها للجميع، وفي الوقت نفسه تقيم عليهم الجزاءات التي يستحقونها من دون مجاملات أو تمييز.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم