إعلان

نظام أبارتهايد من النّهر الى البحر

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
تربية عنصرية
تربية عنصرية
A+ A-
 
بيان مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم"، أو ورقة الموقف الجديد التي صدرت عن المركز الأسبوع الماضي، اعتبر أن: "في كل المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل – بين النهر والبحر – هناك نظام واحد يسعى إلى تحقيق وإدامة تفوّق جماعة من البشر (اليهود) على جماعة أخرى (الفلسطينيين). هذا نظام أبرتهايد على عكس الاعتقاد السّائد بأن إسرائيل دولة ديموقراطية تدير نظام احتلال موقت. لممارسة التفوّق اليهودي، يستخدم النظام الحاكم في إسرائيل وسيلة هندسة الحيّز جغرافياً وديموغرافياً وسياسياً".

 الموقف لم يكن مفاجئاً، كان متأخراً، ولكنه في الوقت نفسه شكّل تطوراً هاماً في عمل المؤسسة الناشطة، وألغى ذلك الخط الافتراضي بين المناطق المحتلة عام 1967، أو المناطق المقترحة للدولة الفلسطينية، الضفة الغربية وقطاع غزة، وبين الأراضي المحتلة عام 1948 والتي قامت عليها "إسرائيل".
 
المؤسسة تعبر ذلك الخط وتتجاوز الحديث عن السياسات العنصرية "للاحتلال" في الضفة الغربية والحصار والاعتداءات المتكررة في غزة، لتشمل في موقفها الجديد السياسات العنصرية ضد الفلسطينيين العرب في مناطق الـ48، الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ولا تتوقف الماكينة الإعلامية الإسرائيلية عن التحدث عنهم كـ"مواطنين"، هذا الإعلان ينقل مهمة المؤسسة الى منطقة عمل جديدة وشائكة، ويضعها في مواجهة متدحرجة مع اليمين الإسرائيلي الحاكم وأحزاب الوسط.
 
يمكن هنا اقتباس الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي في صحيفة "هآرتس" تعليقاً على ورقة "بتسيلم":

"في البداية كان يجب الاعتراف بحقيقة أن هناك أناساً آخرين، وبعد ذلك، الفهم أن هناك شعباً آخر، كان هنا قبلهم. وبعد ذلك كان يجب أن نسأل ما هي هذه البيوت والقرى المدمرة الموجودة على جانبي الطرق، والاعتراف بالنكبة – كارثة الفلسطينيين،
وكان يجب أن نفهم أن الاحتلال هو أمّ كل الخطايا، والأمل بإنهائه بدولتين. وبعد ذلك أن نفهم أنه لم يولد في أي يوم السياسي الإسرائيلي الذي كان ينوي ذلك، وإدراك أن الاحتلال من شأنه أن يبقى هنا إلى الأبد. فقط عندها كان يمكن الاعتراف بحقيقة أن الاحتلال هو الذي يحدّد النظام في إسرائيل، وليس المحكمة العليا أو الانتخابات أو حريات لليهود والقليل من الحريات للمواطنين غير اليهود. التفوّق اليهودي هو في كل شيء، مثلما قالوا في بتسيلم".
 
"بتسيلم" هي مؤسسة إسرائيلية غير حكومية تأسست عام 1989 بمبادرة من أكاديميين ومفكرين ونشطاء وأعضاء في الكنيست، وتركّز نشاطها على الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال والمستوطنون في "الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967"، وهي تقدم تقاريرها لأعضاء في الكنيست ولجهات حقوقية دولية وللإعلام، وقد حققت المؤسسة حضوراً واضحاً وراكمت مصداقية على المستوى الدولي، دفعت مجلس الأمن لدعوة مديرها حجاي العاد لتقديم شهادته حول الاستيطان في الضفة الغربية في جلسة غير رسمية عام 1916، ما صعّد المواجهة بين المؤسسة وحكومة نتنياهو الذي لم يتوقف عن مهاجمة المركز والعاملين فيه، ونشاطاته، والتشكيك في تمويله.
 
سيكون من الصعب اتهام العاملين في "بتسيلم" بـ"معاداة السامية"، هذه تهمة مخصصة للأغيار، وقد تم إخراجها من فكرتها وتجويف محتواها وتحديثها باستمرار على يد اليمين العنصري الإسرائيلي، حتى أنها أصبحت تشمل في صيغتها الأخيرة كل من يوجّه انتقاداً للسياسات العنصرية الإسرائيلية أو لفاشية الاحتلال أو للاستيطان ومصادرة الأرض وهدم البيوت.
 
 ثمة تهمة أخرى خاصة بـ"اليهود" الذين يرفضون هذه السياسات ويدينون ممارسات الاحتلال مثل اليهود العاملين في "بتسيلم"، أو منظمة "كسر الصمت" التي ترصد جرائم جيش الاحتلال وانتهاكاته في الضفة، أو كتّاب مثل ديفيد غروسمان صاحب "الزمن الأصفر"، وأكاديميين ومؤرخين مثل ايلان بابيه الذي وثّق "التّطهير العرقي في فلسطين" في كتبه الواسعة الانتشار ومحاضراته في مؤسسات أكاديمية دولية مرموقة حول "النكبة الفلسطينية"، أو آدم راز الذي وثّق أخيراً عمليات النّهب الشاملة لبيوت الفلسطينيين ومقتنياتهم في "النكبة"، محولاً، عبر التوثيق الدقيق والشهادات والأرقام، "حرب التحرير" الى عملية نهب منظمة و"الرواد الأوائل"، الآباء المؤسسين، الى لصوص منازل، هؤلاء حصلوا على صفة "كارهي أنفسهم"، وهي صفة عابرة للعقود استخدمتها الجماعات اليهودية الدينية في صراعاتها قبل نشوء الحركة الصهيونية، الى أن حدّثها ثيودور ليسنغ في كتابه "كراهية الذات اليهودية". ويشير الباحث الفلسطيني أنطوان شلحت الى أن البعض يحيل الظاهرة إلى "ثلاثة مراجع يهودية أرست "مؤشرات" تلك الظاهرة: كتاب "كراهية الذات اليهودية" لثيودور لسينغ؛ كتاب "التحرّر التلقائي" ليهودا ليف بنسكر؛ الزعيم الصهيوني "اليساري" بيرل كتسنلسون الذي اعتبرها بمثابة تشويه عقلي ونفسيّ".
 
وفي تعريف اليهودي الكاره لنفسه، اليهودي الصغير، هو اليهودي الذي يحمل مشاعر معادية للسامية أو مشارك في أفعال معادية للسامية. 
 
في المقابل، تم تصنيف حركة المقاطعة للبضائع الإسرائيلية، منتجات المستوطنات على وجه الخصوص، والتي حققت اختراقات كبيرة من خلال توظيف شبكة القوانين والاتفاقات الدولية، ما دفع الاتحاد الأوروبي الى وسم منتجات المستوطنات، وهو ما فعلته كندا والعديد من الدول. حركة المقاطعة صُنّفت معادية للسامية، ولكنها استطاعت مواجهة الحملات المتلاحقة عليها، بما فيها حملة تجري الآن، عبر إغراق موقعها بأكثر من 4 ملايين طلب حجب الخدمة، بحسب محمود نواجعة الناشط في الحركة.
 
ثمة إدراك عميق لواقع الاحتلال الإسرائيلي يتطوّر، إدراك كان دائماً في الظل يحاول التقدم برغم كل شيء ويتجاوز مساحاته المحدودة ويخرج من الظلال، ليتحول بتسارع وقائع حيوية. يتغير شكل الصراع ويتعمق، لم تعد ممكنة مواصلة الخديعة، أو التمادي في استخدام مقولاتها. ولعل موقف "بتسيلم" أحد المؤشرات على هذا الإدراك، لكن النموذج الأهم، من دون شك، هو إنجاز حركة المقاطعة الذي يشكل هاجساً حقيقياً متصاعداً للرواية الصهيونية ويترك أثره وخطابه الجديد المبني على وثيقة الحقوق. منذ سنوات تجاوز هذا الإدراك محاضرة في قاعة جامعية أو خطاباً في تجمع سياسي ليتحول حركة شعبية ضاغطة وقادرة على تحقيق النتائج.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم