صُنع في الاتحاد الأوروبي

المصدر: النهار العربي
العنود المهيري
تظاهرة لأئمة مساجد ضد الإرهاب في فرنسا
تظاهرة لأئمة مساجد ضد الإرهاب في فرنسا
A+ A-
وجدتني أقف عند مفترق طرق أمام خبر اعتزام إيمانويل ماكرون إيقاف انتداب الأئمّة الأجانب من دول كالجزائر وتركيا، وذلك للحد من قناعاتهم وأنماط تفكيرهم المتصادمة مع واقع المسلمين في فرنسا. بل أن الرئيس يخطط لتشكيل مجلس وطني للأئمة في غضون 4 سنوات، والذي سيُخوّل بمهمة سحب التراخيص من الأئمة عند خرقهم لـ"ميثاق قيّم الجمهورية".
 
لا تستغربوا، فدول مجاورة كبلجيكا شرعت بالفعل في إعداد بعض أئمتها بنفسها، لا سيما بعد فضيحة العام المنصرم، حينما اضطرت سانت غالين السويسرية إلى إبعاد إمام كوسوفي متهم بالإعتداء البدني والجنسي على زوجته، ومنعها من مغادرة المنزل!، وهو ما عدّه القضاء السويسري فشلاً كارثياً في الانسجام مع قيم مجتمعه الجديد.
 
أستطيع تخيّل المرارة التي سيخلّفها قرار ماكرون، والدول الأوروبية الأخرى، في فم أي مؤمن بحرية الفكر والتعبير، فمن الصعب هضم المساعي لإخراس الأئمة لمجرد كونهم غير مندمجين مع محيطهم الغربي المتحرر، وإلا اضطررنا إلى تبرير اضطهاد الأئمة المعتدلين الوسطيين متى ما كانت السلطة السياسية تجنح نحو التطرف والأصولية، أي بالضبط كما فعلت طالبان في أفغانستان.
 
ثم ألا يفترض بنا أصلاً أن ندافع حتى عن حق هؤلاء الأئمة البغيضين في أن يثبّتوا ميكروفوناتهم، ويتقيأوا ما في قريحتهم من ميسوجينية، واحتقار للمثليين والمتحولين جنسياً، وتكفير للعلمانية؟
 
كمسلمة، سأترك هذا الجواب لآيان حرسي علي، والتي يُشار إليها باعتبارها إحدى "عتاة وصناديد الإلحاد" المعاصرين.
 
لقد ذاقت آيان ويلات ختان الإناث في الصومال، ثم فرّت إلى هولندا هرباً من تزويجها قسراً، وها هي اليوم تعيش تحت الحراسة المشددة بسبب انتقاداتها الحادة تجاه الإسلام.
 
نظرت حرسي من حولها في مدينة نيويورك، وقالت معاتبةً راسيل شورتو، والذي كان يعكف آنذاك على تأليف كتابه عن رينيه ديكارت، وقصة الصراع التاريخي بين الإيمان والعقل، "أنتم تعتبرون هذه الحضارة من المسلّمات، كما لو أنها كانت قد هبطت من السماء بين ليلة وضحاها".
 
الأمر لا يتعلق ببضع ناطحات سحاب، وعربات لبيع الهوت دوغ. بالنسبة إلى أمثال حرسي، والذين يعايشون المشهد المتغّير في الغرب بعيداً من التنظير الفارغ، فلا يمكن تخيّل عواقب التفريط في ميراث عصر التنوير الذي مرت به أوروبا. "ولا حتى بذريعة التعددية الثقافية"، كما حذرت حرسي في حوار أجرته بمعية المؤرخ تيموثي غارتون آش.
 
سطوة القانون، الحرية الفردية، المساواة بين الجنسين. الاستهانة بأي من هذه القيم سيعني الموت. حرفياً.
 
أتتخيلون لجاناً معنيةً بتحديد أي الأئمة والخطباء "أوروبي الصنع" في الشكل الكافي، وأيهم لا يتوافق مع معايير دول بالغة الليبرالية تتيح الإجهاض والموت الرحيم؟ أهذه أوروبا التي نعرف؟
 
ربما. فلتظل "أوروبا التي نعرف"، لا بد من حماية المكتسبات التي جعلتها الملاذ الآمن حتى لأشد المخالفين لقيمها وأعرافها، والذين، للمفارقة، صاروا بدورهم يعتبرون حريتهم في العبث من المسلّمات. 
 
الكلمات الدالة