حرب في المنطقة تقوّض لبنان... والحكومة إلى ما بعد ترامب!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
دورية لليونيفل على الحدود اللبنانية الإسرائيلية
دورية لليونيفل على الحدود اللبنانية الإسرائيلية
A+ A-
ترتبط تعقيدات تشكيل الحكومة اللبنانية التي يحاول الرئيس المكلف سعد الحريري تذليلها، برهانات لأطراف سياسية وطائفية لبنانية على تغييرات في الوضعين الإقليمي والدولي. الواضح حتى الآن أن عملية التأليف عادت إلى نقطة الصفر، ليس بسبب فشل المبادرة الفرنسية التي لم تعد تمتلك عناصر دفع قوية، وهي في الأساس وقعت على بنية عصيّة على التغيير، إنما أيضاً بسبب التطورات في المنطقة وفي العالم، خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية. إذ إن الجميع، بمن فيهم محور الممانعة الذي يمثله "حزب الله"، ينتظرون ما ستؤول إليه الأوضاع خلال الشهرين المقبلين، وخروج الرئيس دونالد ترامب من البيت الأبيض، وطريقة هذا الخروج واحتمالاته وأيضاً تداعياته على المنطقة.
 
كانت الأجواء التي سبقت انطلاق المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية حول ترسيم الحدود برعاية أميركية، تشير الى أن هناك إصراراً أميركياً على ترتيب الوضع الحدودي وإنهاء أو على الأقل عقد تسوية سريعة حول الحدود البحرية. وقد عُلّقت آمال كثيرة على أن الأوضاع ستنعكس تشكيلاً حكومياً، على رغم اشتراط الولايات المتحدة عدم مشاركة "حزب الله" فيها. لكن هذا الأخير وافق على المفاوضات، ما يعني أنه كان يراهن على تطورات معيّنة تفتح على قناة اتصال بين طهران وواشنطن، فإذا بالأمور تنقلب رأساً على عقب، أولاً في المفاوضات التي تعثرت بعد الخلاف حول الخرائط وما قدمه لبنان أدى إلى انزعاج أميركي، فيما تواصلت العقوبات الأميركية على شخصيات حليفة لـ"حزب الله" آخرها رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية السابق جبران باسيل وهو الحليف الأول لـ"الحزب" مع رئيس الجمهورية ميشال عون.
 
انعكس كل ذلك على التشكيل الحكومي، في وقت كان التوتّر يعود إلى منطقة الحدود اللبنانية الإسرائيلية، فيما استأنفت إسرائيل عملياتها ضد مواقع إيرانية وأخرى تابعة للنظام في سوريا، بعد توقف دام أشهراً عدة. ففي الداخل اللبناني، يبدو أن كل القوى تنتظر خروج دونالد ترامب من البيت الأبيض، انطلاقاً من رهانها حول انتهاء مفاعيل المواقف التصعيدية الأميركية المتصلبة، وعلى هذا بات الاهتمام بالحكومة في مرتبة خلفية، وإن كان الانهيار يكتسح ما تبقى من قدرة لدى اللبنانيين على الاستمرار والصمود، فكل قوى السلطة لا تأبه لما يحل بلبنان من أخطار قد تغيّر وجهه مع الابتعاد العربي والدولي عن دعمه واحتضانه. لذا باتت عملية تشكيل الحكومة، مسألة مستبعدة في وقت قريب، وكل يعدّ العدّة لإمرار هذين الشهرين الفاصلين من خطر الحرب والضربات، ربما إلى حين تسلّم الرئيس المنتخب جو بايدن زمام الأمور ومقاليد الرئاسة الأميركية، تماماً كما كان الرهان قبل التسوية الرئاسية التي جاءت بميشال عون رئيساً للجمهورية وسعد الحريري رئيساً للحكومة في عام 2016، بعد تعطيل وفراغ في موقع رئاسة الجمهورية دام نحو سنتين، أي بعد عهد ميشال سليمان الذي انتهى في 2014، حيث شكل الاتفاق النووي الإيراني الأميركي وبمشاركة أوروبية دفعاً للتسوية الداخلية اللبنانية، على رغم استمرار موقف المملكية العربية السعودية غير الراضي عن الأمر. 
 
لكن الظروف تختلف عن ذلك الوقت، بكل المقاييس. فلبنان بلد منكوب ولا يستطيع الصمود ربما حتى الشهرين المقبلين، وما سيأخذه بايدن من وقت لترتيب أوضاع الإدارة والأزمات الداخلية الأميركية، هذا إذا بقيت الأمور على حالها من دون تصعيد في المنطقة.
 
بدا أن الحل والربط في الملفات اللبنانية يرتبط بالولايات المتحدة الأميركية، فالأنظار تتسلط على واشنطن وطريقة تعاملها مع الملفات اللبنانية، وفي مقدمها تشكيل الحكومة وموضوع "حزب الله" الذي ترفض الإدارة الأميركية مشاركته في الحكومة، فيما "الحزب" ينتظر أيضاً ما ستحمله التطورات المقبلة في المنطقة حتى نهاية ولاية دونالد ترامب، وما إذا كانت الأمور ستذهب إلى تصعيد شامل أو حرب سيكون لبنان أحد أطرافها بسلاح "حزب الله". لذا يتشدد مع محوره وبالتحالف مع رئيس الجمهورية ميشال عون والتيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل الذي فُرضت عليه عقوبات لعلاقته بـ"الحزب" ولملفات متعلقة بالفساد. 
 
وقد كان واضحاً كلام وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو التصعيدي عن مهمات اليونيفيل بعد لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أخيراً، إذ أشار إلى أنه "في آب (أغسطس) الماضي، دعمت الولايات المتحدة تجديد مهمة اليونيفيل، لكننا طالبنا ببعض الشروط المهمة لسبب وجيه. فلمدة طويلة جداً، تمتع "حزب الله" بحرية حركة شبه كاملة، عبر مناطق سيطرة اليونيفيل. وبدعم من إيران، بنى ترسانة أسلحة وأطلق صواريخ على إسرائيل، وحفر أنفاقاً للهجوم تحت الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وأكثر من ذلك". وأوضح أن التجديد الأحدث لولاية القوات الدولية في الجنوب اللبناني شمل متطلبات جديدة، تتعلق بالإبلاغ عن تلك الهجمات ضد قوات حفظ السلام والتحقيقات في منع الوصول. مؤكداً أنه إذا لم تنفذ مهماتها، "فسنضطر إلى التحرك نحو اتجاه مختلف".
 
وأمام التشدد الأميركي والتعقيد الحكومي، خصوصاً من قوى الممانعة في لبنان، هناك مخاوف من تسخين الجبهة الجنوبية وصولاً إلى اشتعال المنطقة. هكذا يواجه لبنان مصيراً أسودَ، إذ إن تشكيل الحكومة اللبنانية صار مؤجلاً وفق المعطيات أقله الى ما بعد مراسم تنصيب جو بايدن في البيت الأبيض وانتهاء ولاية دونالد ترامب، وأمام هذا الواقع يصبح وجود لبنان على المحك، فهو لن يكون قادراً على مواكبة التطورات، لا في حالة الحرب التي قد تنهي بنيته ولا في تشكيل حكومة متأخرة لن تكون أيضاً قادرة على حل المشكلات والأزمات بفعل التعطيل القائم والمستمر للمؤسسات، وهو التعطيل الذي يتصدره "حزب الله" لحسابات إقليمية ورئيس الجمهورية ميشال عون وجبران باسيل لحسابات داخلية. والضحية الأولى هي لبنان...
الكلمات الدالة