إعلان

هل فات التاريخ الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة؟

المصدر: النهار العربي
أزراج عمر  
أزراج عمر  
بوتفليقة في آخر أيامه في السلطة
بوتفليقة في آخر أيامه في السلطة
A+ A-
توفي الرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وتميزت مراسم دفنه يوم الأحد الماضي بحذر السلطات من ردود فعل الشارع الجزائري الذي لم يرَ فيه، سواء قبل مرضه أو أثناءه، رمزاً وطنياً استثنائياً ترك له دولة عصرية متطورة ومؤسسة على التقاليد الديموقراطية، ما عدا ما تحقق في إطار المصالحة الوطنية التي أوقفت الدماء في الجزائر. 

ويأسف المؤرخون الجزائريون لعدم كتابة بوتفليقة مذكراته أو شهادته المفصلة الحيَة والموثقة على تعرجات "حركة التحرر الوطني" التي عاش تفاصيلها وفترة الاستقلال التي تقلد فيها مناصب وزير الشبيبة والرياضة ووزير الخارجية وعضو مجلس الثورة الحاكم، وفترة الـ 20 سنة التي حكم فيها وبذلك يكون قد ساهم شخصياً في طمس مساره الشخصي ومراحل عدة من التاريخ الوطني المعاصر الذي هو جزء عضوي فيه.
 
فور وفاة الرئيس بوتفليقة انقسم الشارع الجزائري مرة أخرى بما في ذلك النخب السياسية والإعلامية والمتخصصة في التاريخ الجزائري المعاصر على تقييم دوره في الثورة التحريرية ومساهمته في الانقلاب العسكري على الرئيس بن بلة بزعامة هواري بومدين، وعلى المنجزات السياسية والمادية طوال مرحلة حكمه كرئيس للدولة على مدى 20 سنة.

في خصوص منجز المصالحة الوطنية يجمع المراقبون السياسيون والمؤرخون الجزائريون على أن بوتفليقة لم يسلك النهج المطلوب لضمان الانطلاقة السليمة لمرحلة ما بعد محنة الاقتتال وما تخللها من تحطيم للنفسية الجزائرية الفردية والجماعية على مدى عشرية دموية رهيبة مثل النهج الناجح الذي سلكته جنوب أفريقيا بقيادة نيلسون مانديلا في إنجاز مصالحة وطنية مستدامة بين السود والبيض من طريق علاج الخلافات والرضَات النفسية والمآسي الإنسانية بأسلوب الحوار والتسامح بين الذوات، وزيادة على ذلك فإن بوتفليقة لم يستلهم أيضاً تقليد تراث معالجة المشكلات الكبرى وإطفاء الصراعات التي تميز بها المجتمع الجزائري القديم من طريق إدارة الحوارات الإنسانية الشفافة بين الخصوم بقيادة "العقلاء" في الأرياف والبلدات والمدن. 
 
رغم هذه النقائص فإن وقف الدماء في الجزائر هو مساهمة لها جانب إيجابي، ولكن وقف الدماء شكلياً لم يتزامن مع بناء المواطنة والحكم الديموقراطي المؤسس على مشروع حضاري تقدمي في الفضاء الوطني على مستويات تكريس المعمار العصري المكرس للهوية الوطنية عبر التاريخ، وصنع الثقافة الحديثة، وابتكار نمط الاقتصاد الوطني الناجح والقادر على إشباع حاجيات المواطنين وربح رهانات المنافسة إقليمياً ودولياً، فضلاً عن تربية الإنسان الجديد ضمن نسيج مجتمع مؤسس على وازع الثقة والاحترام والشراكة والفاعلية الحضارية المميزة. 

وفي الحقيقة فإن الرئيس بوتفليقة لم يحدث أي نقلة نوعية على طريق معالجة مختلف البنى المادية والرمزية الجزائرية المتخلفة وتغييرها، منها البنية العميقة للثقافة الوطنية الموغلة في التخلف والرجعية، علماً أن الأنماط المتضافرة لهذه البنية المعقدة هي التي لعبت دوراً محورياً، إلى جانب الوضعيات المؤلمة الموروثة عن الاحتلالات الاستعمارية التي عرفتها الجزائر في تاريخها الطويل والعريض، في إفراز ظاهرة العنف المادي والرمزي التي لا تزال تفرّخ عنف الواقع السياسي الجزائري المريض بالأحادية والفردية اللتين تتنافيان مع أدنى شروط الدولة الديموقراطية.

تميزت مرحلة الرئيس بوتفليقة بإلحاق الهزيمة بالتعددية الحزبية فحوَلت الأحزاب غطاء للحكم الفردي المتزامن مع انتشار العشائرية والشللية والجهوية في الحياة السياسية الجزائرية. 

صحيح أيضاً أن حسم بوتفليقة ملف الهوية البربرية (الأمازيغية) بواسطة ترسيم لغة البربر (الأمازيغ) هو خطوة أولية إيجابية غير أنَ ما تحقق حتى يومنا هذا لم يجعل هذه اللغة لغة المحيط الوطني (على الأقل في الولايات ذات الكثافة السكانية الأمازيغية) والإدارة، والعلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية، والتكنولوجيا. وليس هناك أي أفق لتحويلها لغة واصفة مستوعبة للفكر الإنساني المؤسس على المفاهيم والنظريات، بل إن اللغة الأمازيغية لا تزال منبوذة في المحيط الجزائري العام وحتى في الفضاء الجغرافي الأمازيغي نفسه (محافظات تيزي وزو وبويرة، ومنطقة الأوراس برمتها وبجاية نماذج لهذا النبذ للغة الأمازيغية في المحيط العام).

وفضلاً عن ذلك فإن بعض المراقبين للشأن الجزائري يؤولون اعتراف بوتفليقة ومحيطه بهذه اللغة لغة وطنية ثم ترسيمها في الدستور وعدم تزامن ذلك مع الاتفاق رسمياً على حروفها وتكوين الإطارات القادرة على ممارسة عمليات إخراجها من الطور الشفوي شبه البدائي إلى فضاء اللغة الواصفة، بأنه مجرد حركة عشوائية وانفعالية يمكن تلخيص الغاية منها في احتواء منطقة البربر، وسحب البساط من تحت أقدام الفصيل المعروف بتطرفه وهو حركة "الماك" التي ترفض النظام الحاكم جملة وتفصيلاً وتطالب بالاستقلال الذاتي حيناً وبالانفصال عن الدولة المركزية وإنشاء جمهورية للإثنية الأمازيغية حيناً آخر. 

ولا شك في أن قضية الفرادة الأمازيغية لم تطرح فقط في الفترة السابقة على الاستقلال أو في عهد بوتفليقة وإنما طرحت في 1947 في فرنسا كما يشير إلى ذلك المؤرخ الجزائري محمد حربي. لا بد من التأكيد هنا أن هذه القضية الأمازيغية لم تعالج ديموقراطياً في مرحلة ما قبل بوتفليقة وفي مرحلته هو معالجة ثقافية متمدنة وفي إطار يبعدها عن المزايدات السياسية، وعن بؤس التمثيل الجهوي، وموضة توزيع المناصب الحساسة في البلاد على أساس الانتماء الإثني. ومما يؤسف له أن نزعة الانفصال نفسها التي ترافع عنها حركة "الماك" لم تفهم حتى الآن على أنها نتيجة فشل النظام الجزائري في بناء الدولة العصرية المتطورة على أساس انسجام التنوع الثقافي وفي إطار نسق تبنى وحدته من عناصر جزئيات هذا التنوع. 

ومن الواضح أيضاً أن عدم معالجة بؤر التخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والأخلاقي التي تزداد انتشاراً وخطورة هي التي أنتجت وتنتج ظاهرة التطرف الإثني التي ليس لها سابقة مزعزعة للوحدة الوطنية الجزائرية في التاريخ الوطني القديم والحديث. 

وبخصوص الوضع الاقتصادي فهناك من يشير إلى أن قضاء مرحلة الرئيس بوتفليقة على الديون الخارجية التي كانت تقدر بمبلغ 32 مليار دولار أو أكثر بقليل تسجل في إطار الإيجابيات لمصلحته ولكن الفساد المالي المثير للدهشة في عهده، وتحطيم الشريحة الوسطى وإذلال شرائح الفلاحين والعمال الصغار فضلاً عن تبذير مئات المليارات من الدولارات بدون جدوى تعد جرائم اقتصادية بامتياز.

ويمكن القول أيضاً إن انخراط النظام الجزائري بقيادة الرئيس بوتفليقة وأحزاب الموالاة ومختلف أجهزة الحكم السياسي والأمني والعسكري في الرأسمالية المتوحشة أدى إلى تحطيم هوية الاقتصاد الوطني وتحويله ظاهرة استهلاكية، وإلى بروز ظواهر الاستغلال المركَب في المجتمع الجزائري من طرف أقلية طفيلية وبدائية خلقها النظام الحاكم بنفسه وفرضها على المجتمع الجزائري بطرق مختلفة لتخدمه وبذلك أصبحنا نتحدث، مثلاً، عن كمشة من أصحاب المليارات الذين يتحكمون في رقاب الاقتصاد الوطني كما صرنا أمام أثرياء جدد كثر منهم مدنيون وعسكريون داخل النظام الحاكم.

وفي التحليل الأخير ينبغي التمييز بين سياسات الحكم الفردي، بقاعدته الجهوية والشللية التي تميزت بها مرحلة الرئيس بوتفليقة الذي عين 12 وزيراً من بلدته في منطقته في تلمسان في الحكومات التي ترأسها، وبين استراتيجيات القيادة التي تعني في الجوهر إشراك تنوع الفاعليات الوطنية في الحكم على أساس الكفاءة وليس الجهة والولاء ثم رسم وتنفيذ مشروع تشييد طور المجتمع الديمقراطي المثقف والمتحضر جنباً إلى جنب بناء طور الدولة العصرية بأعمدتها المادية والروحية والثقافية والتربوية والعلمية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم