إعلان

أزمة لبنان المفتوحة إقليمياً ... ماذا لو سلّم الأميركيون الأمر لإيران و"حزب الله"؟

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله
الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله
A+ A-
لا شيء يمنع "حزب الله" من التقدم لأن يكون شريكاً مقرراً في ملف النفط، فهو قرر استيراده مباشرة من إيران متحدياً على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله الولايات المتحدة وإسرائيل من استهداف الباخرة التي تنقل المازوت الإيراني إلى لبنان. المسألة تتخطى موضوع تأمين الوقود للبنانيين، إذ إن نصر الله يعرف أن وصول النفط يلزمه موافقات لبنانية رسمية لإفراغه في خزانات عبر المرافئ اللبنانية، وكذلك إذا تقرر نقله عبر الصهاريج من سوريا إذا تقرر إفراغه هناك، وفي الحالتين لا يمكن للبلد أن يسلم من العقوبات التي تفرضها الإدارة الأميركية. أما ما يتخطى الموضوع فهو الصراع الأميركي - الإيراني في الساحات المختلفة امتداداً لمفاوضات فيينا النووية غير المباشرة وتوقفها، ثم اشتداد المواجهة في العراق وأخيراً والأهم هو الانسحاب الأميركي من أفغانستان وتسليم هذا البلد لحركة "طالبان" وما يمكن أن يتركه من تداعيات على المنطقة كلها.
 
لبنان الذي يعاني من الانهيار ووصل إلى مرحلة لم يعد فيها قابلاً للحياة أو الاستمرار، تشابكت فيه العوامل الإقليمية والدولية والداخلية إلى حد باتت المشاريع المتصارعة على أرضه الخصبة للقتال واضحة وجلية، ولعل أبرزها مشروع "حزب الله" الذي أعلن نصر الله التحامه بمرجعيته الإيرانية ومحورها وإن كان المدخل اليوم هو الحديث عن سفن المحروقات. وهذا المشروع هو سياسي بالدرجة الأولى وله استهدافات عدة، قبل الحديث عن السلع الإيرانية، فهذه لا يمكنها أن تسد حاجة اللبنانيين الفعلية، ليس في المحروقات فقط إنما في الأدوية أيضاً، ولا يمكن لإيران أن تلبي حاجات أسواق حلفائها والتابعين لها، من فنزويلا إلى سوريا ثم لبنان أخيراً عبر "حزب الله"، فيما النفط الإيراني يباع أيضاً لأسواق أخرى.
 
النقطة المهمة والخطرة في آن، هو أن قرار "حزب الله" باستيراد النفط الإيراني، يجعله الحاكم الفعلي في أمور كثيرة، وهو يرتب على لبنان أعباءً ومسؤوليات كثيرة لا يمكن للبلد تحملها، إذ إن ربطه بالمنظومة الإيرانية ستكون كلفته عالية على كل المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية، خصوصاً أن لبنان في قلب العقوبات. وعلى هذا لا يمكن للبنانيين الاستفادة من السلع الإيرانية في ظل العقوبات والصراع المفتوح في المنطقة، إذ كيف سيتم إدخال النفط الإيراني إلى الشواطئ اللبنانية إذا كانت الشركات غير قادرة على إفراغه في خزاناتها، وهو لن يصل بالتأكيد عبر الطرق البرية الشرعية بعد إفراغه في سوريا، أما اذا اتخذ "الحزب" قراراً بإفراغه في موانئ غير شرعية، فسيكون ذلك مقدمة للأمن الذاتي ويؤدي في نهاية المطاف إلى التقسيم. والأخطر أن هذه المناطق قد تصبح معرضة للاستهداف ومسرحاً للعمليات إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، علماً أن الطائرات الإسرائيلية استهدفت مخازن لـ"حزب الله" وللإيرانيين في سوريا، إضافة الى استمرار حرب الناقلات في بحر عُمان ومياه الخليج.
 
هناك تفسير آخر لاندفاعة "حزب الله" لاستيراد النفط الإيراني في هذا التوقيت بالذات، يشير إلى أن هذه الخطوة لا تحصل من دون غض طرف دولي خصوصاً الأميركي، حيث أُفيد بأن السفيرة الأميركية دوروثي شيا قد أعلنت عن سعي أميركي لاستجرار الكهرباء من طريق الأردن – سوريا من خلال الغاز المصري، وهو إعلان جاء بعد كلام نصر الله عن سفينة المازوت الإيرانية، وقد يكون هناك اتفاق ضمني بدخول الباخرة وعدم تعرضها لضربات، كحسن نية أميركية في إطار المفاوضات غير المباشرة مع إيران.
 
هذا السيناريو قد يكون موقتاً، لكن يحمل علامات على الوجهة التي قد يسلكها الوضع اللبناني في المرحلة المقبلة، أي أن المجتمع الدولي قد يترك لبنان للمحور الإيراني طالما أن السيطرة تأخذه إلى هذا التوجه، فيما القوى عاجزة حتى عن تأليف حكومة، والاستعصاء الأساسي يكمن لدى حليف "حزب الله" رئيس الجمهورية ميشال عون وتياره. والأمر مرهون بالسياسة الأميركية في المنطقة بعد الانسحاب من أفغانستان، حيث تشهد المنطقة تحولات استراتيجية يستحيل إغفال انعكاساتها على الملف النووي الإيراني والمفاوضات المرتبطة به وعلى ملفات المنطقة بما فيها لبنان. وعلى الرغم من الإعلان الأميركي عن استمرار المساعدات إلى الجيش اللبناني إلا أنها لا تقاس بالأموال التي صرفت في أماكن أخرى ومن بينها أفغانستان التي صرفت واشنطن عشرات المليارات على الجيش الأفغاني وحده بلا نتائج مجدية.
 
يشير هذا الوضع المستجد في المنطقة، إلى أن المحور الإيراني يتقدم للهيمنة على ساحات رئيسية، خصوصاً لبنان، حيث الدولة مرهونة لقوى الممانعة وفي مقدمها "حزب الله" الذي ظهر مشروعه بوضوح منذ أن انخرط في الحرب السورية عام 2012 إلى جانب النظام، وقبلها كان مقرراً في الحياة السياسية وفي الحكومات التي أسقط الكثير منها، خصوصاً إسقاطه حكومة سعد الحريري عام 2010 وأتى بنجيب ميقاتي رئيساً في عام 2011، ثم إبقاء البلد في حالة فراغ بين 2014 و2016 إلى أن انتخب ميشال عون رئيساً بعد الاتفاق النووي، ومنذ 2016 يعيش البلد حالة من اللاستقرار انفجرت في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 مع الانتفاضة وسقوط حكومة سعد الحريري.
 
"حزب الله" لم يكن يريد استقالة حكومة حسان دياب بعد انفجار 4 آب (أغسطس) 2020، لكن الأمور ذهبت في اتجاه آخر، وهو اليوم لن يتخلى عما حققه من فائض قوة وهيمنة، كان آخرها اندفاعه الى استيراد النفط الإيراني، وهو يستخدمه جزءاً من المعركة التي يخوضها ضد الأميركيين وفي مسار المفاوضات النووية. لذا لا يمانع في أن تتشكل حكومة برئاسة نجيب ميقاتي، حتى لو كانت الاستعصاءات العونية في أوجها بعد اعتذار سعد الحريري. والخوف أن يصبح لبنان ساحة رهينة في شكل كامل للمحور الإيراني، إذا اقتنع الأميركيون بتسليم زمام الأمور في شكل غير مباشر لـ"الحزب" الذي يتهيأ ليكون الحاكم الفعلي وعبر وكلائه، من دون أن يحل المشكلة اللبنانية التي ستبقى ساحة صراع لأماكن أخرى في ظل الانهيار.
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم