إعلان

الإدارة الاميركيّة الحائرة

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
الرئيس الأميركي جو بايدن والملك عبدالله الثاني بن الحسين في البيت الأبيض
الرئيس الأميركي جو بايدن والملك عبدالله الثاني بن الحسين في البيت الأبيض
A+ A-
 
التقى الرئيس بايدن الملك عبدالله الثاني ومن المقرّر أن يلتقي رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بعد أيّام. الأكيد أن اللقاءين مهمّان، خصوصاً أنّ العاهل الأردني يعرف المنطقة عن ظهر قلب. يعرف المنطقة والتوازنات فيها الى درجة انّه حذّر باكراً صيف العام 2002 من النتائج التي ستترتّب على اجتياح العراق. كان ذلك في لقاء مع الرئيس بوش الابن. لم يجد الرئيس الأميركي ما يقوله وقتذاك سوى أن "الله أمره بذلك". في مرحلة لاحقة، في تشرين الأوّل (أكتوبر)، تحدّث عبدالله الثاني عن "الهلال الشيعي"، وهو يعني بذلك الهلال الفارسي الذي تعمل إيران على قيامه، من طهران إلى بيروت مروراً بدمشق وبغداد، في ضوء وضع يدها على العراق بفضل الأميركيين!  

ما قد يكون أهمّ من اللقاءين مع ملك الأردن ورئيس الوزراء العراقي، أن تبدأ الإدارة الأميركيّة الجديدة، بعد ستة أشهر من دخول بايدن إلى البيت الأبيض، في بلورة سياسة واضحة تجاه الشرق الأوسط والخليج بدل السقوط في متاهات مفاوضات من دون أفق محدّد مع "الجمهوريّة الاسلاميّة" في ظلّ تجاهل المشروع التوسّعي الإيراني وخطورته ولعبه دوراً أساسيّا في تفتيت بلدان عربيّة عدّة في طليعتها العراق وسوريا ولبنان واليمن.

إذاً كان من كلمة واحدة يمكن أن توصف بها السياسة الأميركية المتبعة حالياً، هناك كلمة واحدة تصلح لذلك. إنّها كلمة "حائرة". توجد إدارة اميركيّة حائرة ترفض الاعتراف بأنّ ليس في الإمكان اللجوء الى المسكنات في حال كان مطلوبا التعاطي مع إيران ومع ميليشياتها المختلفة التي تنفّذ سياسة تدميريّة في المنطقة الممتدة من الخليج العربي إلى البحر المتوسّط حيث صارت بيروت مدينة إيرانيّة تطلّ على شاطئ هذا البحر.

استطاعت إيران ابتزاز أميركا منذ العام 1979، منذ احتجاز الديبلوماسيين الأميركيين في طهران 444  يوماً. نجحت في ذلك إلى حدّ كبير بفضل سياسة أميركية عرجاء ينقصها الوضوح والحزم قبل أيّ شيء آخر. توّجت "الجمهوريّة الاسلاميّة" في العراق نجاحاتها في التعاطي مع الإدارات الأميركية المختلفة، بدءاً بإدارة جيمي كارتر. عملت أميركا كلّ ما تستطيع من أجل أن يتحوّل العراق مستعمرة إيرانية لا أكثر غير آبهة بأنّ الحدود العراقيّة – الإيرانية ليست مجرّد حدود بين دولتين... "بل هي حدود تاريخية بين حضارتين كبيرتين (الفارسيّة والعربيّة)"، على حد تعبير الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران. ماذا ينفع الدخول في مفاوضات في شأن "شراكة استراتيجيّة" مع حكومة مصطفى الكاظمي إذا لم تجر مراجعة للسياسة الاميركيّة في العراق، مراجعة في العمق تأخذ في الاعتبار أن الاجتياح الأميركي للعراق في 2003 جاء بالميليشيات المذهبّية التابعة لإيران الى قلب بغداد، وأنّ هذه الميليشيات تحوّلت الى أداة للضغط على أميركا في المفاوضات المتعلّقة بالملفّ النووي الإيراني. أكثر من ذلك، إنّ وجود مثل هذه الميليشيات التي عمل تحت غطاء "الحشد الشعبي" يعني أن لا مجال لقيام عراق مستقلّ في ظلّ نظام ديموقراطي حقيقي في يوم من الايّام.

هل تعي إدارة بايدن معنى نقطة التحوّل التي كانت في العام 2003 وأبعادها وأنّ ما أصاب العراق ليس حدثاً عابراً بمقدار ما أنّه زلزال ضرب المنطقة كلّها لم يدرك باراك أوباما الذي خلف بوش الابن خطورته... بل ذهب خطوة أخرى في طريق استرضاء ايران. فعل ذلك من منطلق أنّ الملفّ النووي الإيراني يختزل كلّ مشاكل المنطقة!

بعد 2003، زاد الضغط الإيراني على لبنان. اغتيل رفيق الحريري في شباط  (فبراير )  2005 وصولاً، في العام 2016، إلى وضع صار فيه "حزب الله" يقرّر من هو رئيس الجمهورية اللبنانيّة!

في الطريق الى السيطرة الكاملة على لبنان، في ضوء الزلزال العراقي، استطاعت إيران التحكّم بسوريا. في الواقع زاد تحكّم ايران بسوريا مع خروج جيشها من لبنان. ليس بشّار الأسد، الذي يبقى رئيساً صورياً بفضل مهزلة انتخابيّة، سوى رهينة إيرانيّة خصوصاً بعد تغطيته جريمة اغتيال رفيق الحريري وبعدما سمح للميليشيات الإيرانية بالعمل في كلّ أنحاء سوريا. يتحدّث بشّار الأسد عن السيادة والاستقلال والحرب على الإرهاب في وقت يرفض أخذ العلم بأنّ بلده تفتت وأنّه تحت خمسة احتلالات، وأن نصف شعبه مهجّر. لا يدرك أنّ وجوده في دمشق مرتبط بالميليشيات الإيرانية والوجود العسكري الروسي الذي وضع نفسه في خدمة المشروع الإيراني!

على هامش ما يدور في العراق وسوريا ولبنان، يبقى اليمن أفضل مثال على المواقف الحائرة للإدارة الأميركية. يضع الحوثيون، أي إيران، في كلّ يوم لبنة جديدة لدولة مستقلّة في شمال اليمن تشكّل تهديداً مستمرّاً لدول الخليج العربيّة في طليعتها المملكة العربيّة السعوديّة. تحوّل شمال اليمن، بكلّ بساطة، إلى قاعدة صواريخ إيرانيّة. هذا ليس وقت الانسحاب الأميركي من المنطقة بمقدار ما أنّه وقت مراجعة المواقف... إلّا إذا كان الاستسلام في وجه ايران بات خياراً اميركياً. سيعني ذلك بكلّ بساطة، في حال لم تخرج الإدارة من حيرتها، أن جو بايدن ليس سوى نسخة أخرى عن باراك أوباما الذي لم يكن ينظر إلى الشرق الأوسط والخليج الّا من زاوية ضيّقة لا تتجاوز  مصلحة ايران!

الكلمات الدالة