إعلان

انتخابات إيران: الدولة العميقة إلى المقعد الأمامي

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
المرشد والرئيس
المرشد والرئيس
A+ A-
لم تأتِ نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية مفاجئة للمراقبين. وبطبيعة الحال لم تأتِ مفاجئة للشعب الإيراني الذي فضل قسم كبير منه ملازمة المنازل وعدم الاقتراع. فقد كان معروفاً سلفاً أن مرشح المرشد والدولة العميقة المؤلفة من تحالف رجال الدين المتشددين والعسكر، الشيخ إبراهيم رئيسي سيفوز، مهما كلف الأمر، بمنصب رئيس الجمهورية، لا سيما بعدما جرى تعبيد الطريق أمامه بشكل لم يسبق له مثيل في الانتخابات الرئاسية في الجمهورية الإسلامية في إيران، باستبعاد مجلس صيانة الدستور المولج بالتثبت من أهلية المرشحين، المئات من المنافسة، بينهم عدد من المرشحين البارزين الذين كان يمكن أن يصعّبوا فوز رئيسي.
 
وحدها سابقة استبعاد الرئيس الإيراني الراحل هاشمي رفسنجاني في انتخابات 2013 بقرار من الدولة العميقة كما كشف قبل أيام حيدر مصلحي وزير الأمن الإيراني في عهد الرئيس السابق محمود احمدي نجاد، تشبه "المجزرة" الانتخابية التي سبقت التوجه الى صناديق الاقتراع يوم الجمعة الماضي. ومعلوم أن سابقة استبعاد رفسنجاني أتت على خلفية خلافات عميقة بينه وبين المرشد الأعلى علي خامنئي، وبعدما بدا واضحاً انه لو ترشح لفاز بنسبة قياسية، كرد شعبي في الصناديق على مرحلة محمود أحمدي نجاد التي طبعتها مجزرة 2009 ضد المعترضين على نتائج الانتخابات الرئاسية.
 
وحسبما قال مصلحي لدى كشفه عن هذه الواقعة التاريخية، فقد "اتخذ قرار الاستبعاد في إطار الحفاظ على مصالح النظام الاستراتيجية، ونتيجة الشعبية الواسعة التي يتمتع بها (رفسنجاني) وهو المختلف مع المرشد الأعلى". 
 
بالطبع لا يمكن مقارنة حالة رفسنجاني قبل ثمانية أعوام، بالواقع الحالي، لسبب بسيط، هو أن مزاج الشعب الإيراني تبدل كثيراً منذ ذلك الوقت، وخصوصاً بعدما أصاب اليأس الناس من إمكان إحداث تغيير ولو طفيفاً في النظام، وليس ضده من طريق صناديق الاقتراع. فقد تميزت ولايتا الرئيس حسن روحاني بأنهما بددتا وهم الإصلاح من طريق الإصلاحيين الذين بدوا في نهاية الأمر بمثابة واجهات تجميلية للنظام، ليس أكثر. وقد خسروا حيزاً واسعاً من تأييد الشرائح الممتعضة مما آلت اليه أوضاع النظام الإيراني، فضلاً عن الواقع المعيشي والاقتصادي السيئ، الى درجة أن المرشح الإصلاحي في الانتخابات الأخيرة عبدالناصر همتي الذي حاز في اليومين الأخيرين دعم القوى الإصلاحية الرئيسية، وفي المقدمة الرئيس السابق محمد خاتمي، لم يفلح في نيل عدد من الأصوات يوازي الأصوات اللاغية (أوراق بيضاء أو ملغومة)، فيما حصل المرشحان المحافظان المنافسان لإبراهيم رئيسي على عدد أكبر من الأصوات. ويعود سبب عزوف الناس عن التيار الإصلاحي الى أنهم ما عادوا يصدقون مقولة الإصلاح من داخل النظام، وتحت سلطة المرشد.
 
من هنا أتت الانتخابات الرئاسية الأخيرة برسائل في اتجاهات عدة  وأهمها في اتجاه التيار المحافظ الأصولي، وذلك على الرغم من الشكوك التي حامت حول النتائج الرسمية. ومع ذلك، وحتى لو أخذنا في الاعتبار الأرقام الرسمية، تبقى النتائج مدعاة لقلق الدولة العميقة ومحيط المرشد الأعلى. فلو سلمنا أنه يحق لـ59 مليون شخص الاقتراع، بينهم 28 مليوناً شاركوا، وحصل إبراهيم رئيسي على 17 مليون صوت من هؤلاء، لوجدنا أن نسبة المشاركة أقل من خمسين في المئة، ونسبة المقترعين لمرشح المرشد والدولة العميقة لا تتعدى الـ32 في المئة ممن يحق لهم الاقتراع، أي من الشعب المؤهل للمشاركة في العملية الانتخابية.
 
هذه نتائج يجب أن تدعو المرشد الذي تدخل في الانتخابات وكأنه هو المرشح، الى القلق الشديد، لأن الأرقام، أقل ما يقال فيها إنها غير مشجعة، وتدل الى أن ثمة مشكلة كبيرة في إيران، وأن النظام في مكان ما يشيخ وتتقلص قاعدة تأييده، على الرغم من كل قدراته، والسلطات، والإمكانات، والأسلحة التي يملكها في أي معركة انتخابية، وذلك في ضوء غلبة مشاعر اليأس لدى شرائح واسعة من الشعب الذي ما عاد يتأثر كثيراً بالاستعراضات العسكرية وبالاستعانة بالايدولوجيا الدينية وبـ"الانتصارات" الدعائية على كل صعيد. 
 
يوم الجمعة نام إبراهيم رئيسي رئيساً للجمهورية الإسلامية في إيران، وتمكنت ماكينة الدولة العميقة من حسم انتخابات ما كانت أكثر من تثبيت لاختيار مسبق في رئاسة الجمهورية، تمهيداً لضبط المرحلة المقبلة التي ستشهد التهيئة الهادئة لخلافة المرشد الأعلى، ومحاولة إعادة ضبط إيقاع النظام في إطار من "التجانس الثوري"، حيث ستتقلص هوامش من يسمون إصلاحيين، بعدما بان أنهم ليسوا سوى واجهات لنظام قرر بعد أربعة عقود على نجاح الثورة أن يجلس أخيراً في المقعد الأمامي لقيادة دفة البلاد بدلاً من أن يرخي قبضته قليلاً لفتح آفاق جديدة أمام الشعب الإيراني.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم