إعلان

انتهاء زمن الأكثرية... خسارة "حزب الله" لبنانياً وتموضعه شيعياً!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
ابراهيم حيدر
من حملات "حزب الله" الانتخابية في الجنوب اللبناني
من حملات "حزب الله" الانتخابية في الجنوب اللبناني
A+ A-
أظهرت الانتخابات النيابية في لبنان مشهداً سياسياً جديداً عكسته نتائجها المفاجئة نسبياً في مختلف الدوائر، خصوصاً في الساحتين السنّية والمسيحيّة. الأهم في النتائج أن الانتخابات أحدثت تحولات مهمة في المجتمع اللبناني وفي بنيته السياسية، وأثبتت أن ما حدث في البلد منذ انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) غيّر الكثير في المجتمع وفي مختلف البيئات الطائفية وإنْ كانت متفاوتة لجهة كسر الولاءات والأحادية وخلخلة البنى السياسية التقليدية الممسكة بزمام الأمور من دون إسقاطها.
 
خسر "حزب الله" مع حلفائه الأكثرية النيابية، وللمرة الأولى لم يعد هناك أكثريات كما كان يحدث في نسخ الانتخابات السابقة حين كانت تتوزع الأكثريات بين محوري "8 و14 آذار" لتدخل اليوم كتلة جديدة منبثقة من الانتفاضة وعدد من المستقلين يمكن البناء عليها في مستقبل العمل السياسي والبرلماني.
 
ليست انتخابات 2022 كسابقاتها من النسخ التي كانت تنتج انقساماً بين محورين في البلد لهما امتدادات خارجية، خصوصاً محور الممانعة الذي يقوده "حزب الله" بقوة سلاحه وتدخلاته الاقليمية، وهو لا يزال قادراً على تعطيل الحكومة والرئاسة وكل الاستحقاقات. هذه المرة اختار اللبنانيون التغيير أو قسماً كبيراً منهم الانحياز الى التغيير امتداداً لانتفاضتهم، ففاز 16 نائباً من قوى التغيير وعدد من المستقلين من خارج الاصطفافات، وهو ما يؤشر الى تحول في البيئات الطائفية لم تسلم منه أيضاً الطائفة الشيعية على الرغم من حصول "الثنائي الشيعي" على المقاعد الشيعية الـ27. لكن اللافت أن الصوت الشيعي الاعتراضي ساهم للمرة الأولى في خرق لوائح "حزب الله" و"حركة أمل" في الجنوب اللبناني، وأعطى التغييريين الصوت التفضيلي وتمكنوا من خلاله بالفوز في الدائرة الثالثة في الجنوب اللبناني بمقعدين.
 
التحولات المجتمعية التي أظهرتها الانتخابات النيابية، وإنْ كانت تتركز على الصعيد السياسي، إلا أنها بدأت تطرح احتمالات التغيير في البيئات المجتمعية والعصبيات الطائفية أيضاً، وإنْ كان من المبكر الرهان على تغيير شامل في سيطرة أيديولوجية "حزب الله" مثلاً وإطباقه على البيئة الشيعية، ولذلك أسباب كثيرة. لكن ما حدث يوحي بأن شيئاً تغيّر يمكن البناء عليه والعمل على استثماره لتشكيل قوة تغييرية يمكن أن يكون لها تأثير في إعادة بناء الدولة وقبل ذلك إنقاذ البلد. أما من الناحية السياسية، فقد كان واضحاً بعد سقوط نواب وشخصيات شكلوا على مدى 25 سنة رموزاً للنظام السوري، أن ذلك يعني أن اللبنانيين أو أكثريتهم قطعوا مع هذا النظام وأقفلوا الطريق لعودته لتأدية دور جديد له بعد الخروج من مأزقه في سوريا.
 
كسر تصويت اللبنانيين قدرة اختراق "حزب الله" للبيئات الطائفية الأخرى، فأسقطوا حلفاءه في البيئة الدرزيّة وأيضاً السنّية، إذ إن الحزب هو الوحيد الذي كان يملك القدرة على دخول هذه البيئات انطلاقاً من فائض قوته. أما اللافت فهو ما حدث في الساحة السنّية من انفتاح وتنوع وخروج على السائد، خصوصاً بعد انسحاب سعد الحريري من المشاركة في الانتخابات ومن الحياة السياسية، فصوّت اللبنانيون في بيروت وطرابلس للتغيير وأيضاً في البقاع والجبل، وهذا يدل على أن هناك تغييراً يحدث في المجتمع وتحولات عبّرت عنها الانتخابات، لكن ذلك يحتاج إلى المزيد من العمل والبناء على طريق إعادة بناء الدولة.
 
التحولات المجتمعية بامتداداتها السياسية طاولت أيضاً الساحة المسيحية، من دون أن تفضي إلى إحداث تنوع شامل، إذ بقيت الثنائيتان "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" تتقاسمان التمثيل والهيمنة، على رغم الاختراقات، وهو أمر سينعكس على تنوع الساحة المسيحية ما لم تتمكن القوى التغييرية من بناء حيثيتها وفرض وجودها.
 
الإشكالية الأساسية تبقى موجودة في الساحة الشيعية، فالتصويت الشيعي أعاد انتخاب مرشحي الثنائي الشيعي، إلى حد أن النواب الفائزين الشيعة الـ27 جميعهم من "حركة أمل" و"حزب الله"، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الحزب تحديداً على تجيير الأصوات ومنع التنوع على رغم أن جزءاً من الشيعة قاطعوا الانتخابات وهذا واضح في نسب المشاركة، وأيضاً في الأوراق الملغاة والأخرى البيضاء، فيما نسبة لا بأس بها اقترعت للتغيير. وقد كرس "حزب الله" خلال السنوات الماضية أمراً واقعاً من خلال فائض قوته وأيديولوجيته والهيمنة تحت عناوين كثيرة منها السلاح والمقاومة ثم استثارة العصبيات واستنفار الغرائز ما جعل الوضع الشيعي مقيداً ولا يتمتع بالحيوية والمساءلة، فيما فكفكة هذا الواقع تحتاج الى وقت والكثير من الشغل لبناء حالات قادرة على استقطاب الحركة الشعبية الشيعية الى مناخات الدولة والمؤسسات والتواصل مع المكونات الأخرى.
 
لن يكون سهلاً للتغييريين أن يقارعوا السلطة وقواها في عقر دارهما، خصوصاً بعد التهديدات ضدهم التي كانت واضحة وكبيرة، لكن يمكنهم أن يؤسسوا مساراً واضحاً في الممارسة السياسية يستمد قوته من الحصانة الشعبية التي ولدتها انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) ضد الفساد ولإعادة بناء الدولة. المهم أن الانتخابات النيابية فتحت مساراً جديداً وشكلت منعطفاً أسس لاختراق قوى التغيير والانتفاضة ودخولها مجلس النواب، وهو أمر جديد على الساحة السياسية اللبنانية ومتغير له أبعاد سياسية يمكن استثماره في العمل التشريعي، وأيضاً في بناء معارضة مستقلة قادرة على إحداث التوازن إذا تمكنت من المراكمة على قواعد واضحة وشفافة ويمكن أن تؤسس لحالة شعبية ويكون لها دور في الاستحقاقات المقبلة. وأمام التعقيدات التي سنشهدها في المرحلة المقبلة بعد اختلال التوازنات يبقى على قوى التغيير أن تعمل كي لا يتحول لبنان الى شلل تام في ظل الانهيارات المتتالية التي يستحيل معها الإنقاذ.
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم