إعلان

​ عندما تخرج من "الملجأ"

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
ولد في منزله المدمر في بيت لاهيا.أب
ولد في منزله المدمر في بيت لاهيا.أب
A+ A-
ستنتهي هذه الجولة كما انتهت غيرها، وسيبدو الاسم الذي أطلقه الجنرالات عليها مأساوياً وخارج النص تماماً، "حارس الأسوار"، وهو اسم يتناقض مع عملية "شارون" في الضفة الغربية عام 2002، "السور الواقي"، اسرائيل التي تواصل بناء الأسوار في كل مكان لتحرسها، منذ أكثر من سبعين سنة تستيقظ وتبدأ في بناء الجدران وترسل جنوداً لحراستها، كما لو أنها تحضرها من الميثولوجيا مباشرة، أسوار وأسيجة في الشمال على حدود لبنان، أسوار وأسيجة حول الضفة الغربية، أسوار وأسيجة حول غزة، أسوار تناسب المستوطنات الصغيرة وأسوار للمستوطنات الكبيرة، وأسوار حول أسوار القدس.
 
ستنتهي مشاهد القصف واستعراضات النار، وسيتفاقم تدمير غزة وتحطيم بيوتها وما تبقى من بنيتها التحتية الهشة، وسيلتحق العشرات من أهلها الى مسيرة الموت المتواصلة، وعندما يهبط الطيارون عن السلالم القصيرة للقاذفات، سيمشي خلفهم صف طويل وعنيد من القتلى الذين يجرون حطام بيوتهم، أطفال ونساء وأشباح بملابس النوم، وسيجلسون في الصالة ويواصلون التحديق بهم الى الأبد.
 
تنهض إسرائيل في الليل لتبني الأسوار ثم تبدأ بحراستها، هكذا ولدت من "برج وسياج"، كما لو أنها تتغذى عليها.
عندما تخرج سرائيل من الملجأ ستجد عالماً جديداً يحيط بها، ستجد أن ثمة أشجاراً جديدة وصلت في الليل وانتشرت في سفوح التلال ومنحدراتها، ستجد فلسطينيين أكثر في الشوارع، ورايات وأعلام وأولاد من "العرب" يجلسون على مدرج "باب العامود"، وستجد عائلات "كرم الجاعوني" في حي الشيخ جراح ينظفون مداخل بيوتهم من قنابل الغاز  والظرف الفارغ للطلقات المعدنية، وستكتشف أن سنوات "ترامب" السماوية لم تعد موجودة، وحركة الطائرات المحملة بوفود يقودها "كوشنر" نحو ارجاء العالم العربي، أو زيارة "بومبيو" لمصنع النبيذ في مستوطنة "بسغوت" وصورته وهو يتأمل الزجاجة التي حملت اسمه لم تعد متداولة، ولكنها، اسرائيل، ستحتفظ بـ "نتنياهو" لأسابيع أخرى، نتنياهو الذي يقودها بين "محكمة الفساد" وأوهام الامبراطورية، ويعدها باستبدال "بيروت" بـ"تل أبيب"، بيروت التي يتواصل تحطيمها على الأرض وإفساد نظامها المالي، و"تل أبيب" التي اتضح أنها ليست آمنة بما يكفي لتحويلها الى عاصمة اقتصادية لشرق المتوسط، وليست حقيقية بما يكفي لتكون شيئاً من ثقافة المنطقة.
 
تخرج من الملجأ لتكتشف أن عليها مواصلة الزحف على البطن نحو جولة انتخابات خامسة أو "حيلة" في الكمّين العريضين للمهرج، بعد أربع جولات انتخابية مشوشة، تعثرت خلالها أحزاب وانهارت تحالفات وتبدلت مقاعد وصعدت أحزاب، وفي الحلقة الرابعة ظهر، في عرض خاص، "منصور عباس" و"قائمة البيضة".
ستجد أن كل شيء قد تغير تقريباً، "نتنياهو" فقط هو الثابت الوحيد في "إسرائيل" محاطاً بميليشيات المستوطنين من نوع "ليهافا" و"لافاميليا"، الذين أطلقوا في شوارع اللد وحيفا ويافا ليقتلوا "العرب"، ويعيدوهم لبيوتهم والى الصمت الى حين، وسيظهر حزب "الصهيونية الدينية" الفاشي الذي يجلس على صف من أربعة مقاعد في الكنيست، ستجد "حرس الحدود" في المركز، تحديداً في اللد، بعد أن جرى نقله من الضفة الغربية، كما لو أن "الحدود" انتقلت الى هنا.
 
وستجد قائمة طويلة من المطالب حول حقوق الفلسطينيين قي الجليل والنقب والمدن المختلطة، حقوق "المواطنة" في العمل والمساواة واللغة والتعليم والصحة ومحاربة الجريمة المنظمة، أشياء حاولت حكومات نتنياهو المتعاقبة طيها ودفنها ومراكمة التجاهل والقوانين فوقها، ولكنها تعود للظهور في الشارع عبر وجوه جديدة وأصوات جديدة وآلاف الشبان والشابات هذه المرة، وليس فقط في خطابات أحمد الطيبي وأيمن عودة في الكنيست. ستكتشف "إسرائيل" عند خروجها من الملجأ أن هناك أكثر من مليون ونصف المليون من "هؤلاء" يعيشون في "الدولة"، أولئك الذين تجاهلت وجودهم الى أن صدقت ذلك، كان ذلك قبل دخولها الى الملجأ في المرة الأخيرة. وعندما تنظر حولها ستكتشف أن شعباً كاملاً يعيش هنا بين نهر الأردن وساحل المتوسط وأنهم غاضبون، وأن ما حدث لم يكن اشتباكاً بين آخر الموانئ الآسيوية في فلسطين على المتوسط قبل الدخول في سيناء نحو أفريقيا حيث تعيش مصر، ولكنه مواجهة شعب لـ"شعب"، شعب كان يعيش في نسيانها له، بعد أن عودت نفسها على تجاهله واستخدامه في نفس الوقت، وأن الأمر برمته عاد الى البدايات، وأنها خرجت من الملجأ عبر المنفذ الذي يؤدي الى عام 1948. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم