إعلان

"الإخوان" و"السرب" وبراءة الجيش المصري

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
A+ A-
طرح البعض الكثير من علامات الاستفهام حول موقف جماعة "الإخوان المسلمين"، وانتفاضتها العدائية منذ اللحظات الأولى ضد فيلم "السرب"، الذي يمثل تجسيداً لملحمة الثأر التي شنتها القوات المسلحة المصرية، على عناصر تنظيم "داعش"، بمحافظة درنة الليبية، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، عقب واقعة ذبح 21 قبطياً مصرياً.
 
ما الذي يدفع جماعة "الإخوان" ومنصاتها الإعلامية للهجوم على الجيش المصري، دفاعاً عن تنظيم "داعش"، والجماعات المسلحة في الداخل الليبي؟، ونشر الأكاذيب والتلفيقات ضد المؤسسة العسكرية المصرية، ودورها في الحفاظ على الحدود الغربية والشرقية من مخاطر العصابات "الداعشية" أو "القاعدية" المسلحة.
 
ثمة رابط عقائدي وسياسي وتنظيمي، يجمع بين جماعة "الإخوان"، ومختلف الجماعات التكفيرية المسلحة، التي اتخذت من المنهجية الفكرية لحسن البنا، وسيد قطب، ومروان حديد، مدداً في تشكيل مكوناتها وقواعدها التنظيمية، بما يخدم أهدافها، فضلاً عن أن غالبية قيادات تلك الحركات المسلحة، تربّت في أحضان المدرسة "الإخوانية"، وتشرّبت أدبياتها وأطروحاتها في التعامل مع المجتمعات والحكومات تكفيراً وانقلاباً.
 
وجدت جماعة "الإخوان" الفرصة متاحة أمامها للنيل من المؤسسة العسكرية المصرية، من خلال استهداف فيلم "السرب"، فقدمت وقائع وشهوداً، تثبت بالدليل القاطع فشل ضربتها العسكرية في تحقيق غرضها من إصابة التنظيم "الداعشي" في مدينة درنة الليبية، في مقابل استهداف المدنيين العزل داخل منازلهم.
 
دائماً ما تقدم لجان "الإخوان" الإلكترونية خطاباً متلوناً، يعتمد على تزييف الحقائق والأحداث، مستغلة حالة الاستمالة النفسية والتبعية الفكرية التي فرضتها الجماعة في شكل غير مباشر على الدوائر المجتمعية العربية المتعاطفة مع تيارات الإسلام السياسي، وحلفائها الاستراتيجيين، بما يتفق مع توجهاتها وأهدافها التوسعية في المنطقة.
 
في ظل حالة التهليل والضجة التي صنعتها جماعة "الإخوان"، ضد فيلم "السرب"، والضربة العسكرية لمدينة "درنة"، استعانت عبر منصاتها الإعلامية المتعددة، بشهادة وحيدة للصحافي الليبي، جوهر علي، المنتمي فعلياً للهيكل التنظيمي لجماعة "الإخوان" داخل ليبيا.
 
على مدار السنوات الماضية، وتحديداً منذ عام 2012، أدى جوهر علي، دوراً فاعلاً مع التنظيمات الليبية المسلحة، من خلال تعاونه في نقل وتوصيل المعلومات، تحت ما يعرف بظاهرة "سمسار المعلومات"، بحكم إمتهانه العمل الصحافي والإعلامي، وتمتعه بحرية مطلقة في التنقل والحركة بين مختلف المدن الليبية.
 
الكثير من المواقع الليبية الرسمية، وثّقت عملية التعاون بين جوهر علي، وعدد من التنظيمات المسلحة والمتنازعة في ما بينها، وفي مقدمهم تنظيم "داعش"، وتنظيم "القاعدة"، فيما نشرت واقعة للإعتداء عليه من قبل إحدى الجماعات المسلحة بدرنة، بسب نقل أخبارها لعناصر تنظيم "داعش"، وأطلقت عليه وصف "الجاسوس".
 
وإلى جانب علاقته المتشعبة مع مختلف الفصائل المتعارضة والمسلحة في العمق الليبي، تمتع جوهر علي، بعلاقات وثيقة مع قيادات التنظيم الدولي لـ"الإخوان"، وعمل مراسلاً تلفزيونياً لقناة "النبأ" الفضائية، المملوكة لعبدالحكيم بلحاج، القيادي السابق في الجماعة الليبية المقاتلة، والمحسوب على جماعة "الإخوان"، والتي تم إدارجها على قوائم الإرهاب من قبل دول الرباعي العربي، (مصر والسعودية والإمارات والبحرين)، نتيجة تطرفها وتحريضها المستمر ضد الجيش الوطني الليبي.
 
ساق الإعلام "الإخواني"، في روايته الخداعة للجماهير التي تدور في فلكه، أن تنظيم "داعش" كان متمركزاً خلال عام 2015، داخل مدينة سر"، التي وقعت فيها أحداث عملية ذبح الأقباط المصريين، من دون أن يكون له تواجد حقيقي داخل مدينة درنة التي استهدفها الطيران العسكري المصري في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، وأنها كانت واقعة تحت سيطرت "مجلس شورى المجاهدين" الموالي لتنظيم "القاعدة"، في محاولة للإيهام أن الضربة العسكرية كانت عشوائية وغير مدروسة، بالمخالفة للوقائع التي تؤكد عكس ذلك تماماً.
 
سيطر تنظيم "داعش" على مدينة درنة في تشرين الأول (أكتوبر) 2014، من خلال توحّد عدد كبير من الميليشيات المسلحة ومبايعتها لأبي بكر البغدادي، الخليفة السابق لتنظيم "داعش"، وتحولت إلى مركز لقيادات التنظيم ومخزن لأسلحته الثقيلة، ولم ينسحب منها سوى في نهاية عام 2016، متجهاً نحو أطرافها، بعد دخوله في مواجهات دامية مع "مجلس شورى المجاهدين"، "القاعدي"، وفقاً لتقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، ما يبرهن على أن درنة كانت لا تزال مرتكزاً لـ"داعش" وقياداته، اثناء الضربة العسكرية المصرية.
 
في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، نشر موقع "العربي الجديد" (محسوب على جماعة الإخوان)، حواراً مطولاً مع أحد العناصر "الداعشية"، هشام إبراهيم عثمان مسمح، من قبيلة "العبيدات"، والمعروف بـ"سائق أمراء داعش في ليبيا"، كاشفاً الكثير من التفاصيل حول إقامة قيادات "داعش" في مدينة درنة، وفي مقدمهم "وسام الزبيدي"، المكنى بـ"أبي عبدالعزيز الأنباري"، (عراقي الجنسية)، الذي وصل إلى درنة في أيلول (سبتمبر) 2014، بتكليف مباشر من أبي بكر البغدادي، لقيادة إمارة شمال أفريقيا بالكامل.
 
اعترافات "سائق أمراء داعش في ليبيا"، أكدت مقتل أبو عبد العزيز الأنباري، في قصف لطيران حربي في مدينة درنة في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، ما يعني أن العملية العسكرية المصرية، استهدفت فعلياً القيادة الرئيسية والمباشرة داخل ليبيا، ولم تكن موجهة ضد المدنيين، مثلما أشاعت جماعة "الإخوان" وأبواقها الإعلامية.
 
لم تتوقف الروايات الكاذبة للآلة "الإخوانية"، عند هذا الحد، لكنها كعادتها، وظفت زوراً الكثير من الحقائق والوقائع من قبيل التضليل الفكري والإعلامي والسياسي، فاستعانت بكلمة لرئيس مكتب دار الافتاء في مدينة درنة، الشيخ وليد عفان، على أنها شهادته ضد الضربات العسكرية المصرية، اعتراضاً على استهدافها للمدنيين عام 2015، لكنها في الحقيقة، كلمة ألقاها خلال تظاهرة في أيار (مايو) 2018، وبثتها عبر منصتها مؤسسة التناصح للدعوة والثقافة والإعلام، التي يديرها مفتي "الإخوان" في ليبيا الصادق الغرياني.
 
معركة تكسير العظام التي قادتها جماعة "الإخوان" وحلفائها، ضد فيلم "السرب"، موجهة في المقام الأول ضد الجيش المصري، الذي يمثل حجر عثرة أمام طموحات الممول الرئيسي للجماعات الراديكالية المتطرفة من أجل إسقاط الدولة المصرية، وبالتبعية المنطقة العربية للسيطرة على شعوبها ومقدراتها.
 
تتخوف جماعة "الإخوان" من الدراما والسينما الوطنية، وما تحققه من نتائج تجاه ما يعرف بـ"صناعة الرمزية" السياسية والتاريخية والثقافية والعسكرية، وما تقدمه من أطروحات لا تتفق مع توجهاتها الفكرية ومشروعها القائم على مفردات "الدولة الدينية"، و"الأصولية الأممية"، العابرة للحدود والشعوب والعقول، كما أنها الأداة الأكثر تأثيراً وفاعلية، في مواجهة سمومها التكفيرية، إذ إن الفن والثقافة يمثلان أهم ركائز بناء العقلية الجمعية للمجتمعات العربية، والحفاظ على هويتها من التخريب والتدمير المتعمد.
 
افتقار وتصحر المجتمع المصري على مدار سنوات طويلة من فكرة صناعة "القدوة الوطنية"، كان مانحاً لجماعة "الإخوان" وللتيارات الأصولية، من إمكان تقديم رموز ما يعرف بتيار "الصحوة الإسلامية"، الذي انتشر كالهشيم في المجتمعات العربية كرد فعل على نكسة 1967، وما تلاها من أحداث سياسية، تغلغلت خلالها التيارات المتطرفة في العمق المصري.
 
الهجمة المرتدة ضد الدراما والسينما الوطنية، من قبل جماعة "الإخوان"، تأتي معبرة عن معضلة وإشكالية حقيقية، اعتمدتها مع قواعدها التنظيمية، في ما يسمى بـ" استبدال الهوية"، والقضاء على ثقافة "الانتماء الوطني"، وإحلالها بما يعرف بـ"الولاء والبراء"، للجماعة ومرشدها ومشروعها، من خلال وضع عناصرها تحت ضغوط وأدبيات "العزلة الشعورية" أو "الإنفصالية النفسية"، بما يحقق لها تشكيل الدوائر الموازية المنفصلة عن المجتمع وعاداته وتقاليده ومشاكله وقضاياه.
 
تدرك "الإخوان" ولجانها الإلكترونية، أنها كاذبة في ما تطرحه حول دور القوات المسلحة المصرية في مكافحة الإرهاب، لكنها تسير وفقاً لنظريات إعلامية قائمة على فكرة "توظيف الأكاذيب"، وتوثيقها حتى تصبح بمرور الأيام جزءاً من الحقيقة التاريخية الراسخة، ومن ثم صاغت مشاريع بحثية فكرية تغريبية، صبغتها بالأطر الشرعية والدينية، لتحقيق فرضية التأثير الفكري والنفسي، وتمرير حالة التشكيك النسبي.
 
اتجهت جماعة "الإخوان" على مدار السنوات الماضية لتأسيس العشرات من "المراكز البحثية" والاستقصائية، لتقديم دراسات، وتحليلات سياسية متنوعة، حول الفترة الزمنية الراهنة للنظام السياسي المصري، وتوثيقها عبر منصاتها الإعلامية والإلكترونية، كنوع من الشهادة على الأحداث الجارية في العمق المصري، ومساهمة في كتابة "التاريخ المعاصر"، في شكل غير مباشر من خلال التقارير والأكاذيب التي تروجها في شكل علمي ممنهج.
 
مساعي جماعة  "الإخوان" في تنفيذ مخططها بكتابة "التاريخ المعاصر"، يلقي بالمسؤولية الكاملة على الدولة المصرية ومؤسساتها الإعلامية والاستراتيجية، حول ضرورة تأسيس العشرات من المراكز البحثية، للوقوف كحائط صد منيع على المستوى الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، أمام الآلة "الإخوانية" التي تتعمد تهميش وتزييف الحقائق وتوثيقها على الشبكة العنكبوتية بما يخدم أهدافها، لتكون مرجعاً في ما بعد، لمختلف الباحثيين والدارسين سواء العرب والأجانب.
 
في معركتها مع الدولة المصرية، ارتكزت جماعة "الإخوان"، على "سلاح الإشاعات"، وتوظيفه تحت مسمى "سيكولوجية التأثير النفسي"، للاستفادة من تأثيره في تحقيق سيناريوات الفوضى الممنهجة، و"تفكيك الظهير الشعبي"، والتركيز على خفض الروح المعنوية، بعد فشل المشروع المسلح في ظل قوة الأجهزة الأمنية المصرية وقدرتها على تدمير بنيتها الاقتصادية والتنظيمية.
 
اكتسبت جماعة "الإخوان" خبرة طويلة في مجال الإشاعات منذ العهد الملكي، ثم المرحلة الناصرية التي شهدت ترويج مئات الأكاذيب ضد الرئيس جمال عبد الناصر، لا سيما التي شككت في دينه وعقيدته، انتهاء بإشاعات حفلات التعذيب في السجون، وتم ترجمة غالبيتها في مذكراتهم الشخصية، مثل كتاب "أيام من حياتي"، والذي ثبُت أنه من تأليف القيادي الإخواني يوسف ندا، بهدف تشويه صورة عبد الناصر تاريخياً.
 
*كاتب مصري وباحث في شؤون الجماعات الإرهابية
 
الكلمات الدالة