إعلان

... ولبنان بحاجة الى رحم خصبة أيضاً!

المصدر: النهار العربي
باريس- فارس خشان
البروفسور  جان مارك أيّوبي
البروفسور جان مارك أيّوبي
A+ A-
 
ضجّت فرنسا هذا الأسبوع بإنجاز طبّي وقّعه البروفسور اللبناني الأصل جان مارك أيّوبي.
 
أيّوبي، ومن موقعه كرئيس قسم الطب النسائي والتوليد في مستشفى "فوش"، أدخل فرنسا في قائمة الدول التي تُمكّن المرأة التي بلا رحم من أن تُنجب.
 
قبل سنتين زرع رحماً في جسد سيّدة بلغت السادسة والثلاثين من عمرها، بعدما وهبتها إياه والدتها التي في سنتها التاسعة والخمسين، وقبل سبعة أشهر حملت "ديبورا"، بواسطة تقنية التخصيب الصناعي، ومنذ أسبوع وضعت طفلتها البكر "ميشا"، في ولادة قيصرية.
 
البعد الطبي لما قام به أيّوبي الذي كان شريكاً أساسياً في الأبحاث السويدية الرائدة التي فتحت الطريق أمام زراعة الرحم في أجساد المحرومات منه -وهنّ بنسبة امرأة واحدة لكل أربعة آلاف-يجب تركه لأهل الإختصاص، لنركّز على أبعاده الأخرى التي لا تقل أهمية.
 
إنّ هذا الإنجاز الواهب للحياة ولّد تأثيراً إيجابياً في المزاج الفرنسي، الذي يمر في مرحلة من الإحباط الشديد، بسبب فشل مختبرات البلاد، في ابتداع لقاح ضد مرض كوفيد-19.
 
وإذا كان من الطبيعي أن تسارع باريس الى تغليف هذا الإنجاز بالعلم الفرنسي، لأسباب كثيرة، فإنّه من غير الطبيعي ألّا يتأمّل اللبنانيون الذين يعانون من شتى أنواع المآسي فيه، ذلك أنّ البروفسور أيّوبي الذي وقّع الإنجاز هو لبناني، بكل ما للكلمة من معنى.
 
صحيح أنّ أيّوبي تعلّم الطب في جامعات فرنسا واستفاد من خبراتها وعمل في مستشفياتها، ولكنّ الصحيح أيضاً أنّه ابن شمال لبنان، وقد نال شهادته الثانوية من واحدة من ثانوياته الرسمية.
 
ما الذي على اللبنانيين تأمّله؟
 
عندما تناهى هذا الخبر الى علمي، كنتُ مع أحد أصدقائي نناقش ما أنتجته الطبقة السياسية للبنانيين من أهوال، وكيف أنّ كلّ ركن من أركانها يزعم أنّ "الحق معه" في المعارك التي يشنها ضد الآخر، في حين أنّ الشعب الذين يتنافسون عليه، بالكاد "معه حق" شراء ما يحتاجه من قوت يومي.
 
الأنباء عن إنجاز البروفسور أيّوبي، لم تسمح لي ولصديقي بتغيير الموضوع، بل فتحت أمامنا باباً جديداً لتزخيم النقاش، إذ إنّ ما قام به هذا الطبيب اللبناني الأصل مع "ديبورا" يحتاج الى عمل يشبهه في السياسة اللبنانية التي عقرت المذهبية والفساد والتبعية والميليشيا والإجرام والقمع والسخافة والتفاهة رحمها.
 
ولكن أنّى لنا أيّوبي مماثل في السياسة؟
 
هو درس واجتهد، تدرّب وسهر الليالي، تعلّم وعلّم، طبّب وأدار الأطباء، إختبر نظريات ووضع أخرى، قبل أن يتوصّل الى نزع رحم وزرعها والإنجاب منها.
 
لنفترض أنّ الحظ ابتسم للبنان بشخصية تتمتّع سياسياً بمواصفات الأيّوبي الطبية، فكيف يُمكنه أن يخترق دائرة الطبقة السياسية المحكمة الإغلاق؟
 
في هذا السياق، في حال وجدت هذه الشخصية، أنّ الجسد اللبناني يحتاج، حتى يتقبّل الرحم المزروعة، معالجة التأثير السلبي ل "حزب الله" المسلّح، فإنّه من البديهي أن يتوقع المراقبون أنّ هذه الشخصية هي التي سوف تُزال من الوجود، قبل أن يُسمح لها بأن تمس بأصغر وظيفة عهد بها "الحرس الثوري الإيراني" الى هذا الحزب.
 
وفي حال وجدت هذه الشخصية، أنّه لا بد تحصيناً للرحم المزروع، من تحييد بعض كبار مفسدي الحياة السياسية، فإنّها هي التي سوف تُرمى على قارعة الطريق، قبل أن يُسمح لها بمس شعرة واحدة في رؤوس هؤلاء المفسدين، ولها عبرة في ما حصل مع القاضي فادي صوّان في ملف انفجار مرفأ بيروت، فيما كانت فرنسا تحتفي بإنجاز البروفسور أيّوبي.
وهذان المثلان غيض من فيض.
 
لقد سبق أن ناقشتُ مع جان مارك أيّوبي، في مناسبات كثيرة جمعتنا، في المسألة السياسية اللبنانية التي يعرف الكثير عن مفاصلها وأسرارها ولاعبيها، وكانت مقاربته لها مثل مقارباته الطبيّة الإيجابية، فلبنان ليس من الدول الميؤوس منها، ولكنّ هناك من يصر على سد نوافذ الأمل. في وضعيته الراهنة، أموره آيلة الى مزيد من التدهور، فإمّا يتاح له أن يدخل الى غرفة العمليات، وإلّا فعبثاً المحاولات، مهما صدقت النيات.
 
صديقي الذي كان معي، عندما وردتنا أنباء الولادة التي أعقبت زرع الرحم، ختم النقاش على طريقته، فقال لي: البروفسور أيّوبي سوف يبقى بالتأكيد طبيب ديبورا، ولكنّه لن يكون أبداً طبيب ابنتها "ميشا"، وهو قد يصبح صديقاً لعائلتها، ولكنّه لن يستطيع يوماً أن يملي على العائلة كيف تُربي "ميشا".
 
تابع: إعكس ذلك على الوضع السياسي في لبنان، ففيه تلعن "ديبورا" اللبنانية الساعة التي تلقت فيها المساعدة والعناية، لأنّ من فعل ذلك، يتحكّم بها وبزوجها وبأهلها وبجيرانها وبعلاقاتها وبمداخيلها وبآرائها، ويتدخّل في كل تفاصيل حياة "ميشا" اللبنانية، فيفرض طعامها وعقيدتها ولبسها ويحبس أنفاسها، وكلّما دعاه مشفق على أحوال هذه العائلة إلى أن يكفّ عن سلوكه، نهره قائلاً: "أنا من حرّر الوالدة من العقم، وأنا من أوجد الطفلة، فاغرب عن وجهي قبل أن أجعلك طعاما لكاتم الصوت".




















 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم