إعلان

تبرئة مجلس الشيوخ لترامب لا تعفيه من الملاحقات القضائية

المصدر: النهار العربي
مهى سمارة
دونالد ترامب
دونالد ترامب
A+ A-
لم يتجرّأ الجمهوريون في مجلس الشيوخ على إدانة دونالد ترامب بتهمة التحريض واستغلال السلطة في هجوم 6 كانون الثاني (يناير) على مبنى الكابيتول.
 
ولاعتبارات حزبية ضيقة ومصالح انتخابية بُرّئ الرئيس السابق من التهم التي وجهها المعسكر الديموقراطي ضده والتي ستأخذ من الآن وصاعداً طابعاً قانونياً وجزائياً عبر الملاحقات القضائية العديدة ضده من التهرب الضريبي ومخالفات عدم إيفاء الديون ومشاريع عقارية وهمية...
 
محاكمة ترامب التي استغرقت خمسة أيام أظهرت شدة الاستقطاب الحزبي والشرخ الكبير الموجود في المجتمع الأميركي. براءة ترامب وضعت الحزب الجمهوري في ورطة كبيرة وأشلاء يتناحر ويتفكك بعد ما حوّله الى حزب عنصري متطرف ضيق الأفق وخارج زمن العولمة والانفتاح على الآخرين.
 
عدا الأبطال السبعة من الشيوخ الجمهوريين الذين تجرّأوا وصوتوا ضد إرادة الحزب وحكّموا ضميرهم وقناعاتهم بأن لترامب مسؤولية معنوية وأخلاقية عما جرى في الاعتداء على الكابيتول. هؤلاء السبعة وُضعوا على لائحة الشرف الأميركية التي قدمت ولاءها للوطن وخير المجتمع أكثر من المصالح الشخصية والحزبية الضيقة.
 
المحكمة برّأت ترامب لكنها دانت الحزب الجمهوري الذي يغطي فريقاً من أنصار ترامب. المشكلة لم تعد مع ترامب بل مع الترامبية كظاهرة ستقض مضاجع الحزب وتقلق أميركا، خصوصاً بعد ما كُشف أن بعض مناصريه منظمون ومسلحون كميليشيات تهدد الأمن القومي وقد تقوم باعتداءات على الافراد والجماعات الذين يتهمونهم بالتآمر على ترامب.
 
والخوف في محله. والحذر واجب. لأن ترامب يغذي هذه الفئات بتصريحاته وربما نشاطاته التي سيستأنفها بعد أن يكون قد ضجر من لعب الغولف والانعزال في منتجعه في فلوريدا.
 
وتختلف التصورات لدور ترامب الحاضر والمستقبل. عدد من المعلقين يعتبرون أن بريق ترامب ظرفي وانتهى برحيله عن البيت الأبيض. آخرون يعتبرونه بعبعاً لحزبه وللآخرين لأنه غير مستعد لمغادرة الساحة السياسية وربما يخطط لعودته في 2024 والانتقام من الذين خذلوه وتآمروا ضده.
 
ترامب لم ينتهِ سياسياً. بالعكس سيعاود نشاطه وسيحاول تأسيس عائلة سياسية ترث شعبيته. وقد أبدت كل من ابنته إيفانكا وزوجة إبنه لارا اهتماماً واستعداداً لخوض الانتخابات النصفية في 2022 لعضوية مجلسي النواب والشيوخ. كما يتردد أنه في صدد تأليف حزب سياسي جديد اسمه "الوطن"، وانشاء محطة تلفزيونية خاصة به تبث افكاره ومواقفه بعد أن اختلف مع "فوكس نيوز" وصاحبها روبرت ميردوك.
 
ترامب يريد تحطيم الحزب الجمهوري العريق. وفعلاً يواجه الحزب مصيراً غامضاً بعد الانشقاقات التي ظهرت. ويتوقع العارفون أن يتمكن ترامب من جذب ثلث أعضاء الحزب الذين سيلتفون حوله. هناك جزء آخر سيحافظ على تقليدية الحزب المحافظة والميسورة والتي تترفع عن الدخول في مهاترات ومماحكات وصراعات. وجزء ثالث سيغادرون الحزب نهائياً وينضمون الى الحزب الديموقراطي أو يصبحون مستقلين يتعاملون بالقطعة مع القضايا والنزاعات.
 
وشيء من هذا الانقسام بدا واضحاً في انتخابات 2020. عدد من الولايات التي كانت محسوبة على المحافظين غيّرت ولاءها ولونها وصوتت لجو بايدن.
 
ترامب بشخصيته الهجومية وثروته لن يهدأ. ولن يترك جو بايدن بأمان. وبواسطة الميليشيات والكشافة والتنظيمات التي تستقطب الشباب الأبيض والعنصري والمتطرف الحاقد على المؤسسة "استابلشمنت" والخائف من تغيير وجه أميركا ولونها سيثيرون مشاكل، مثل براود بويز وانصار إيموك، التي تؤمن بوجود مؤامرة ضد ترامب. هؤلاء وأمثالهم يشكلون عصب الحزب الجمهوري الجديد الذي سيؤلفه ترامب ذات القاعدة الشعبية الريفية المحدودة التعليم والمنغلقة التفكير والانعزالية في أرياف ووسط أميركا.
 
وأول معركة بدأها ترامب بعد رحيله عن السلطة كانت مع صديقه القديم وزعيم الأغلبية السابقة في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، الذي دعا الى عزله من قيادة الحزب الجمهوري ووصفه بالمتجهم والضعيف، داعياً الى تأييد خليفة له وأي مرشح آخر لأي منصب يؤيد أجندته ويرفع شعار أميركا أولاً.
 
الهجوم على ماكونيل يُظهر حقد ترامب ضد الذي حاول مساعدته واخراجه من المأزق الذي أوقع نفسه فيه. فقد حاول ماكونيل في أيامه الأخيرة كزعيم للأغلبية الاستعانة بصلاحياته البرلمانية لتأخير محاكمة ترامب الى ما بعد مغادرته منصبه الرسمي، الأمر الذي منح عدداً من اعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين "مخرجاً اجرائياً" للتصويت ضد ادانته. اذ يمكنهم الاستناد الى عدم دستورية إجراء محاكمة العزل بحق رئيس سابق بدلاً من الفصل في قضية وفق وقائعها الموضوعية.
 
وبدت هذه الاستراتيجية واضحة في تصويت ماكونيل والتصريحات التي أدلى بها عقب تبرئة ترامب. فصوّت غير المذنب وفق الأسس الإجرائية ثم وجه من مجلس الشيوخ انتقاداً لاذعاً شديد اللهجة الى ترامب بوصفه مسؤولاً عملياً وأخلاقياً عن أحداث 6 كانون الثاني (يناير) الماضي. إلا أن غطاء ماكونيل بدا ضعيفاً، فمجلس الشيوخ صوت سابقاً على دستورية محاكمة ترامب. وقد تجاهل ماكونيل هذه السابقة البرلمانية في معرض تبرير تصويته لبراءة ترامب.
 
وكان الديموقراطيون مقيدين بالواقع السياسي الغالب عليهم إثر رغبة الرئيس بايدن في تسريع وقائع المحاكمة حتى لا تشكل عائقاً أمام التقدم لتمرير أجندته السياسية والاقتصادية والصحية. وموقف بايدن لافت جداً عندما حاول الابتعاد من الأمور التي تخص السلطة التشريعية احتراماً لمبدأ فصل السلطات وتقديراً للأزمة الصحية التي سببتها جائحة كوفيد-19 وأثرها السيّء على الاقتصاد.
 
ويبدو أن الاعتبارات السياسية عصفت بمحاكمة مجلس الشيوخ حتى قبل أن تبدأ. معظم نواب وشيوخ الجمهوريين مشوا وراء ترامب ليس حباً به أو اعجاباً بمواقفه. بل لأن الوقوف ضده مكلفاً وقد يعرضهم للخطر الجسدي وإنهاء حياتهم السياسية وفرص إعادة انتخابهم خصوصاً أن أنصار ترامب يستمرون في تشنيع صورة هؤلاء الاخصام برسائل الكراهية والتحريض ممن يروهم شاركوا في التآمر عليه.
 
ويتكل عدد من النواب والشيوخ الجمهوريين الذين صوتوا لتبرئة ترامب على القضايا القانونية والمخالفات العديدة التي ستُرفع ضده في المحاكم أكان التحريض على الكابيتول او التأثير في العملية الانتخابية مثل المكالمة التي أجراها ترامب مع حاكم جورجيا لتغيير النتائج...
 
لم تكن محاكمة ترامب تقليدية. اندرجت ضمن آلية دستورية نادرة الاستخدام لم يلجأ اليها الكونغرس سوى أربع مرات في تاريخه، وخصها مرتين لمساءلة ترامب في 2020 و2021. وخلال محاكمة ترامب الثانية في مجلس الشيوخ والتي انتهت بتبرئته أمضى ثلاثة جمهوريين من أعضاء مجلس الشيوخ ساعة مع فريق الدفاع عن ترامب حيث تحوّل اعضاء مجلس الشيوخ المئة الى هيئة محلفين في المحاكمة، رغم انهم كانوا مستهدفين في الجريمة. كما لم يجر استدعاء شهود.
 
وكشفت محاكمة مجلس الشيوخ عن قصور عميق في الآلية الدستورية الوحيدة المعنية بمحاسبة سيد البيت الأبيض في حال ارتكاب جرائم أو جنح جسيمة. لم تكن المحاكمة مساءلة قانونية حول إجراءات 6 كانون الثاني (يناير) بل كانت عملية سياسية بامتياز لمنعه من الترشح في سنة 2024. وأدت الى نتائج غير مفاجئة في نهاية المطاف.
 
وعقب عزل سريع في مجلس النواب بقيادة الرئيسة نانسي بيلوسي عقد مجلس الشيوخ محاكمة في فترة قياسية لم تتجاوز خمسة أيام. وإدانة ترامب كانت بحاجة الى 17 صوتاً جمهورياً. وهذا كان متعذراً لأن سبعة جمهوريين صوتوا مع الإدانة، وهو رقم غير كاف لكنه يعد رقماً قياسياً في المحاكمات السابقة في التاريخ الأميركي.
 
وسمحت حالة الاستقطاب بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي بسهولة الحصول على أغلبية في مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديموقراطيون. فيما في المقابل وجدت صعوبة في مجلس الشيوخ اذ تعثر توفر الثلثين من الاصوات أي 67 صوتاً من اصل مئة.
 
ومن النادر استخدام الكونغرس سلطاته لمحاسبة الرؤساء على الجرائم او الجنح المرتكبة من طرفهم. ومن الأمثلة محاكمة الرئيس أندرو جونسون في 1868 وعزل الرئيس بيل كلينتون في 1999 وترامب في 2020 و2021. سابقاً شرع مجلس النواب في إجراءات عزل ريتشارد نيكسون في 1974 إثر فضيحة ووترغيت لكنه قدم استقالته قبل التصويت.
 
ورغم تبرئة الكونغرس لترامب، فإن جزءاً كبيراً من الرأي العام الأميركي يدينه ويشجب أحداث 6 كانون الثاني (يناير) الماضي والهجوم على الكابيتول ويحمّله مسؤولية ما جرى. والأمل الآن بالملاحقات القضائية المرفوعة والتي سترفع ضد ترامب وهو مواطن عادي للمخالفات المتنوعة التي ارتكبها وهي كفيلة بإدانته وربما وضعه وراء القضبان. صحيح أن محاولة الديموقراطيين لمنعه من الترشح لأي منصب في 2024 فشلت إنما الرأي العام سيكون الحكم لعودته السياسية أو لا. وهذا سابق لأوانه.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم