إعلان

عن فلسطين والجزائر وحوار الفصائل الخالد

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
رايتا "فتح" و"حماس"
رايتا "فتح" و"حماس"
A+ A-

يحب الفلسطينيون الجزائر، هذا أحد المظاهر القليلة الباقية من صورة التقطت في عقود السبعينات والثمانينات من القرن الماضي للنظام العربي، صورة بالأبيض والأسود لمشهد لغوي محمل على بلاغة راسخة، تفككت مكوّناته وتراجعت عناصره واختفت من واجهته وجوه كثيرة، ولكن الجزائر بقيت واضحة وقريبة، ببلاغة أقل ومجاز أقرب من الواقع.
 
 كانت الجزائر هناك، في الشمال الأفريقي، واسطة العقد المغاربي وتاريخاً ملهماً من المواجهة العنيدة مع الاحتلال الفرنسي وموجات الاستيطان.
 
ثمة مديح طويل ومتجدد للجزائر في وجدان الفلسطينيين، مديح يمكن أن تلمسه بسهولة في رفع العلم الجزائري على النوافذ وفي ملاعب كرة القدم، بحيث يبدو محرز وبراهيمي أقرب الى الأبطال الشعبيين، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وفي الخطاب السياسي.
 
يختلف الفلسطينيون على كل شيء في الإقليم، ولكنهم يلتقون عند الجزائر.
تجربة الجزائر مع الاستعمار الغربي الاستيطاني الذي تواصل ما يقارب قرناً ونصف قرن، هي الأقرب الى الواقع الفلسطيني الآن، كانت فرنسا تعتبر الجزائر امتداداً للتراب الفرنسي، وكان المهاجرون البيض يتدفقون عبر المتوسط للاستيطان في الجزائر وهم يحملون لغتهم وثقافتهم ونزعة المستوطن الأبيض بالتفوق، وكان جيش الإمبراطورية المحتلة يحمي كل ذلك، والقضاء الفرنسي يحوّل هذه النزعة الاستعمارية بحمولاتها العنصرية والاستعلائية الى قوانين. هذا ما يحدث، على نحو ما، في فلسطين منذ ما يقرب من 74 سنة، أي نصف زمن الاحتلال ومحاولة الضم الفرنسي للجزائر.
 
هذا ليس جديداً، يستطيع أبناء جيلي والجيل الذي سبقنا تذكّر، بكثير من الحنين والبهجة، طابور الصباح في مدارس الأونروا للاجئين الفلسطينيين على إيقاع نشيد الثورة الجزائرية (الذي كتبه الشاعر مفدي زكريا عام 1956)، النشيد الذي وصل كاملاً الى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الوقت نفسه الذي كان يصل الى فصائل جبهة التحرير وقرى الجبال العالية في الجزائر، وبه كان يفتتح اليوم الدراسي تحت إشراف مدرّسين صارمين، مع وجبة الحليب وحبتي زيت السمك التي كانت توزعها وكالة الغوث:
قسماً بالنازلات الماحقات...
وصولاً الى لحظة الحماسة المتفق عليها، وضربة الأقدام الصغيرة التي رجفها البرد:
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا...
 
حتى بعد استقلال الجزائر بسنوات، كان هناك تلاميذ يرددون كلمات مفدي زكريا في طوابيرهم الصباحية في المخيمات، كما لو أن الزمن توقف هناك عشية انتصار الثورة ووصول أحمد بن بله بوجهه الطفولي ورفاقه الى الجزائر.
 
الذي استدعى هذه المقدمة هو دعوة الحكومة الجزائرية الفصائل الفلسطينية الى عقد مؤتمر، على أمل أن تتوصل هذه الفصائل الى الحد الأدنى من الوحدة.
 
في الجزائر عقدت منظمة التحرير المجلس الوطني التوحيدي، وفيها أعلن عرفات الاستقلال الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية، وقبلها عقد المؤتمر التوحيدي للكتّاب والصحافيين، وقبلها استقبلت محادثات عدن - الجزائر....
 
ثمة محطات مهمة ومفصلية في التاريخ الفلسطيني المعاصر، المليء بالانشقاقات، قادتها الجزائر، أو سهّلت انعقاد مؤتمراتها وجلساتها على أرضها.
هذه المرة تبدو الأمور أكثر تعقيداً داخلياً على المستوى المحلي، حيث يشكل "الانقسام" البنية التحتية لبرامج الفصيلين الرئيسيين "فتح" و"حماس"، وإقليمياً على مستوى المنطقة التي استقرت تقريباً على الانهيار، إضافة الى أن الدعوة الجزائرية تأتي بعد سلسلة من المحاولات المتعثرة لعقد "المصالحة" الفلسطينية، شملت عواصم مثل القاهرة، الدوحة، إسطنبول، وموسكو. بالنسبة الى الفلسطينيين يصعب أن تتبين حماسة أو تفاؤلاً بالاجتماعات التي بدأت بالفعل على المستوى الثنائي بين الجهة الداعية والفصائل كل على حدة، في محاولة من الوسيط الجزائري لبناء أرضية من الأفكار العامة المتفق عليها، تكون مدخلاً للشروع في الحوار. 
 
الاهتمام ينصبّ فلسطينياً على أن الجزائر هي صاحبة الدعوة، وأن قوتها تكمن في أن صاحب الدعوة لم يكن يوماً طرفاً أو داعماً لطرف في الساحة الفلسطينية، هذا ما يدفع الفصائل، "فتح" و"حماس" على وجه الخصوص، الى البحث عن أفضل الوسائل التي تحمّل الطرف الآخر مسؤولية الفشل، وفي الوقت نفسه المحافظة على ثقة الجانب الجزائري.
 
ما ستقوله "حماس" و"فتح" يتوضح مبكراً على الأرض. "حماس" التي استنفدت غنائم "سيف القدس"، ولم تحصل، بعد، على صفقة تبادل للأسرى تمنحها دفعة لتصدّر المشهد الفلسطيني، وحسم مشروع تمثيل الفلسطينيين من خارج منظمة التحرير، وتعميق عزلة "فتح" واستثمار خلافاتها وتعدد تياراتها، ستقدم، بحسب الناطق باسمها، تصوراً كاملاً و"شاملاً" لتحقيق الوحدة، و"شاملاً" هذه تعني ببساطة أنها ليست مستعدة لذلك، ولكنها تترك لفتح مهمة رفض تصورها.
 
"فتح"، تيار الرئيس على وجه الدقة، استبق الأمر بتحصين سيطرته على منظمة التحرير، عبر سلسلة من الترشيحات المضمونة للتصديق عليها في اجتماع المجلس المركزي للمنظمة، أعلن عن عقده في السادس من الشهر المقبل. بعد تجديد الثقة بالرئيس، رشحت مركزية "فتح" كلاً من روحي فتوح رئيساً للمجلس الوطني/ برلمان منظمة التحرير، خلفاً لسليم الزعنون، كذلك عضو اللجنة المركزية الوزير في السلطة حسين الشيخ، المسؤول عن العلاقات مع إسرائيل، لعضوية اللجنة التنفيذية لملء شاغر الراحل صائب عريقات، الذي قد يعني موقع أمين سر اللجنة التنفيذية وكبير مفاوضيها مع الجانب الإسرائيلي ونائب رئيس المنظمة.
هكذا أغلقت أبواب المنظمة أمام الجهاد وأحلام "حماس"، وتحصنت "فتح"/ الرئيس في كل المناصب في الداخل.

شعبياً يواصل الفلسطينيون حياتهم، ويواجهون الاحتلال والمستوطنين بوسائلهم البسيطة من شمال الضفة الى القدس الى أقصى الجنوب، مروراً بالنقب في مناطق الـ48 ومعركة الأسرى الإداريين المفتوحة، من دون عقد آمال على الحوار المنشود، ومن دون أن يحبسوا أنفاسهم كلما وصل وفد من الفصائل الى العاصمة الجزائرية. لقد استنزفت جولات الحوار وملفات "المصالحة"، وقرارات أبو مازن والمتحدثين باسمه وخطاباتهم، وتصريحات هنية وبلاغته والناطقين باسم جماعته ثقة الشارع، وسيكون من الصعب استعادة هذه الثقة حتى لو جرى الحوار في الجزائر.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم