إعلان

لبنان معلق على حبال "النووي الإيراني"... التسوية أم الانفجار؟

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
ابراهيم حيدر
تظاهرة لـ"حزب الله".
تظاهرة لـ"حزب الله".
A+ A-
يعكس الوضع في لبنان صورة مأسوية. البلد في حالة انهيار شبه تام، معالم الدولة غائبة، الحكومة معطلة، ورئاسة الجمهورية في مكان آخر، لا يعنيها غير الصلاحيات. الصراع على أشدّه بين القوى السياسية والطائفية، معطوف على الأزمة مع دول الخليج، وهو مرشح إلى مزيد من التوترات حول ملفات عدة، من بينها الصراع على القضاء وإصرار "حزب الله" على الإطاحة بالمحقق العدلي في تفجير المرفأ، وتصعيده المستمر ضد السعودية، وحجز الحكومة، وأيضاً النزاع على استحقاق الانتخابات. الواقع يشير الى أن هذا الصراع يجعل الداخل اللبناني مفككاً وعاجزاً عن انتاج تسوية تسمح بانطلاق العمل الحكومي ومعالجة الأزمة مع دول الخليج، وإعادة الاعتبار لمعنى الدولة.
 
لعل ما يجري في لبنان، أقبح بكثير مما كان يحدث أيام الحرب الأهلية، في ظل الانقسام الأهلي والطائفي وتمترس القوى وخطوط التماس. التفكك طاول كل مؤسسات الدولة، وبات الحكم في أيدي الأطراف الأهلية، والمقرِّر فيها "حزب الله"، إلى حد بات الخارج يتعامل مع لبنان من خلال أفرقائه المقررين في السلطة وعلى الأرض، وليس من خلال الدولة المفككة وحكومتها المعطلة، وهذا الخارج يعرف أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لا يمون حتى على وزرائه الذين في غالبيتهم يأتمرون بمرجعيتهم السياسية والطائفية.
 
لبنان بات متروكاً لمصيره. "حزب الله" الذي يخوض معركته تحت عناوين تتصل بالحسابات الإيرانية في المنطقة عامة، بات يعرف أنه غير قادر على حسم الأمور كلّها لمصلحته، فبتعرضه لانتكاسات في ملفات أساسية سلك خيار التعطيل الحكومي، علماً أن هذا الخيار يرتد عليه أيضاً وعلى جمهوره، وهو يغرق في الأزمات الداخلية اللبنانية ما ينعكس على أدائه. وبتعطيله الحكومة لم يتمكن من تنحية القاضي طارق البيطار، فيما رفضه لإقالة وزير الإعلام جورج قرداحي المتسبب بالأزمة مع دول الخليج كمدخل للمعالجة، يزيد من التعقيد السياسي الداخلي ويدفع العلاقة مع دول الخليج الى مزيد من التأزم والتصعيد أيضاً. وهو يدرك أيضاً أن هناك ملفات تعتبرها الإدارة الاميركية أولوية، ولا يستطيع أن يتخذ موقفاً حاسماً حيالها في انتظار جلاء صورة المفاوضات النووية وإعادة ترتيب النفوذ في المنطقة، فلا يجد غير التصعيد انطلاقاً من التصلب الإيراني الذي صعدت من خلاله طهران في كل مواقع نفوذها وأذرعتها في المنطقة، ويبدو أن تعطيل الحزب للحكومة رفضاً لتحقيقات انفجار المرفأ يندرج في هذا الإطار.
 
المشكلة اليوم أن لا مرجعية للحكم في لبنان، حيث يستعيض رئيس الحكومة باجتماعات مع الوزراء لتسيير الأمور، وكأن الحكومة هي في حالة تصريف أعمال. هنا أيضاً يظهر الخلاف الداخلي بين الأطراف حول المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والتخبط على أشده في ملف ترسيم الحدود الذي يفترض أن يحدد لبنان لواشنطن موقفه النهائي من المفاوضات غير المباشرة وما إذا كان سيعدّله تجاه الخط 29، والقبول بالتفاوض حول الخط 23 أو ابتداع نقطة وسط بين الخطين، فيما الحل السياسي يبتعد. وكذلك الأمر بالنسبة إلى القضاء حيث الضغوط على أشدها لإقالة البيطار أو إعادة هيكلة مجلس القضاء الأعلى والإطاحة بالرافضين لتحوير تحقيقات المرفأ عبر تشكيلات قضائية جديدة لمصلحة "حزب الله" والتيار العوني.
 
الحل في لبنان مقفل بالكامل والوضع اليوم غيرمفتوح على التسويات. "حزب الله" لديه القدرة على الإمساك بالوضع اللبناني وتعطيله أيضاً واستتباعه لمحور الممانعة، وتحديده الوجهة التي تسير عليها السياسات والدولة عموماً، ومن ذلك تتناسل الأزمات المعيشية والحياتية في أطوار الانهيار المتتالية وصولاً إلى التفكك، فيما يغيب الطرف السنّي القادر على إحداث التوازن ضمن الصيغة اللبنانية. فميقاتي عاجز في وضعه الحالي عن إحداث تغيير في بيئته، ولا فرض التوازن، ولا حتى الاستقالة إذا كان يراهن على مد جسور تواصل مع السعودية من خلالها، طالما أن طرح اسمه لرئاسة الحكومة تم بتوافق فرنسي – إيراني. والاستقالة ليس لها بالنسبة إلى ميقاتي أي مرتجع سياسي، إنما ستخرجه من السلطة، وبخروجه لن يستطيع تعويم نفسه في بيئته السنّية كمرجعية، طالما أنه وافق على ترؤس حكومة بشروط ممانعة.
 
الواقع الحكومي في البلد الآيل إلى التفكك، لا يمكن أن يستمر طويلاً، فالانفجار ينتظر على المفترق، ولا يبدو أن رئيس الحكومة يتجه إلى تحديد موقف واضح بعد كلامه التصعيدي ضد "حزب الله" في السرايا الحكومية، يترجمه تأسيساً لمرحلة سياسية جديدة، لكن رفضه تقديم تنازلات كشرط لانعقاد مجلس الوزراء، يعني أنه يواجه من دون أن يخرج من السلطة. وهو مطالب بأن يستعيد المبادرة بتثبيت صلاحياته، والإصرار على سياسة تتلاقى مع الموقف العربي، ورفض التنازل في ملفات عديدة. وأمام هذه التعقيدات بات يصعب حتى الآن بلورة توافق داخلي لبناني على مخرج للأزمة مع السعودية وحتى للأزمات المتناسلة في العمق اللبناني.
 
أمام الوقائع الراهنة تتضاعف المخاطر على الوضع اللبناني نتيجة الأزمات المتناسلة على غير صعيد، الأمنية والسياسية، وسط مزيد من التعبئة الطائفية أججتها حوادث الطيونة الأخيرة. وبلغ الانقسام اللبناني ذروته، وباتت المشكلة أبعد بكثير، حيث لم يعد للاتصالات الداخلية قدرة على التسويات، إلى أن تتوافر ظروف مواتية تعيد التوازن وتسمح برعاية إقليمية ودولية لإعادة ترتيب البيت اللبناني، سلطةً ونظاماً. وعليه تبدو الأزمة مع السعودية ودول خليجية أخرى، الأخطر وما هي إلا تتويج لسياسات إدخال لبنان في صراعات المنطقة واستتباعه لمحور ضد آخر، وهيمنة قوى الممانعة على الحكم والقرارات المصيرية. وهي سياسات تسبّبت بعزل لبنان وسلخه من انتمائه العربي، وضرب دوره في المنطقة. ومنها يواجه لبنان الأسوأ على الإطلاق، وهو يتهاوى ويتدحرج نحو الانهيار... مقاطعة خليجية وعزل وضغوط أميركية وعقوبات، وينسلخ فعلاً من انتمائه العربي، وتتهشم صيغته إلى حد السقوط.
 
يقترب لبنان من الجحيم، ولم تعد تحكم حياته السياسية معادلات وتوازنات كانت كرستها الصيغة اللبنانية تاريخياً. فالتركيبة تنهار وتتفكك، وأطاحت الممارسات السياسية والتقاليد الجديدة والأعراف التي تكرست بالأمر الواقع، هوية لبنان وشوّهتها إلى أبعد الحدود...
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم