رسالة "المنسّق"

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
اللواء كميل أبو ركن
اللواء كميل أبو ركن
A+ A-
مثل انعطافة حادة من طريق فرعي الى الطريق السريع تبدو قرارات السلطة الفلسطينية في رام الله خلال الـ72 ساعة الأخيرة، قرارت متلاحقة تطوي الشهور الستة الماضية وتطوي معها خطاباً "شعبوياً" تبنّته السلطة وصعدت على سلمه، خطاباً لم يكن ملائماً لبنيتها ولم يكن منطلقاً من نسيجها ولم يكن مقنعاً للشارع الذي توجّه اليه، كما لو أنه صوت طارئ من خارج الجسد، وها هي بجسد منهك وخطوات متعثرة تحاول تمرير تراجعها غير المدروس بصفته انتصاراً لسياستها و"صمودها"، متكئة بكامل ثقلها على الأزمة الاقتصادية التي تطحن الشارع، وحاجات الناس المعيشية التي تفاقمت خلال "صمود" السلطة.
انعطافة حادة ستثير غباراً كثيراً داخل صفوف حركة "فتح" نفسها.
 
سنتسلم أموال المقاصة وسنتمكن من صرف رواتب الموظفين وتوفير الدعم الاجتماعي وسداد ديون البنوك والشركات وتحريك الاقتصاد وتعزيز المواجهة مع تفشي الجائحة، هذه هي الحزمة الموجهة للرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وأجزاء من قطاع غزة، والتي تبدو مثل رشوة لتمرير الحزمة الثانية التي تشمل إعادة العلاقات بالحكومة الإسرائيلية الى ما كانت عليه قبل 19 أيار (مايو) الماضي، بما فيها التنسيق الأمني والمدني، هذه الحزمة سيحصل عليها بيني غانتس الذي يتجوّل منذ دخل الائتلاف مع نتنياهو بيدين فارغتين، لو استثنينا قصف سوريا، الآن يمكنه أن يهدد بالذهاب الى الانتخابات المبكرة مع إنجاز إعادة الفلسطينيين الى الطاولة من دون تكلفة. جلسوا في الخارج لفترة وتمت إعادتهم بالمعاطف نفسها، من دون وحدة وبانقسامات مضاعفة، وسيصل صدى كل هذا الى بايدن كنداء استغاثة غير مبرر.
 
تتصرف السلطة الفلسطينية كما لو أن "صفقة القرن" تفككت وانتهى أمرها، وأن عالم ما قبل ترامب استعاد وعيه وعلق من جديد مشهد المفاوضات التقليدي كخلفية ساكنة لكل شيء، ولكنها تغذي في سكونها رغبة "البقاء".
 
لا ينظرون في المقاطعة خارج النوافذ، هذا يضمن أن الأشياء بقيت على حالها، ليس ثمة ما تغيّر هناك، هذا يبدو أكثر ملاءمة لمخيلة "نخبة المقاطعة"، ويمكن رؤية حل الدولتين وهو يوضع على العربة من جديد، برغم أنها - الصفقة - تركت حقائق على الأرض يصعب تجاوزها، وثمة متغيرات كثيرة ولافتات جديدة وأشجار وصلت من أحراج بعيدة، متغيرات لا يبدو أن إدارة جو بايدن راغبة في تبديلها أو التراجع عنها، إضافة الى إشارات الى أنها تسعى الى البناء عليها.
 
الحقيقة أن الإجراءات العميقة تجاوزت هيئات منظمة التحرير بكثير من التعسف والتذاكي: مجلس وطني ومجلس مركزي واللجنة التنفيذية ومركزية "فتح" وصولاً الى أعضاء وفد "فتح" المكلفين ملف المصالحة، تحديداً أعضاء الوفد أولئك الذين تسرّب ملف المصالحة من بين أيديهم كحفنة رمل، الملف حيث تراكمت الاجتماعات والبنود وتفاصيل الاتفاقات...
 
ليس ثمة تحولات مفاجئة تستدعي رد الفعل الذي اتسمت به هذه القرارات، بحيث يمكن تفسير الأمر على أنه استجابة لتطوّر محدد، كما أن فكرة "الرسالة" التي تلقتها السلطة من الحكومة الإسرائيلية، وتأكيد إسرائيل الشفوي والمكتوب التزامها الاتفاقيات الموقعة، تحوّلا في الشارع الفلسطيني مأساة، وعززت سذاجة الفكرة وطريقة إخراجها وتوقيتها شكوك الشارع بصدقية مشروع القيادة وبأن الأمر برمّته لم يكن حقيقياً.
إذ بينما كانت الوعود تنطلق من اجتماع القاهرة بين حركتي "فتح" و"حماس"، وعود المصالحة وإنهاء الانقسام والاتفاق على كل شيء تقريباً، وهي أمور منحت صمود الناس أمام المأساة المعيشية معنى وزوّدت شقاءهم شيئاً من الأمل، بينما يحدث ذلك ظهرت "الرسالة" في رام الله، كما لو أنها موجة من السحر وحسن الحظ.
 
"الرسالة" استبدلت بكل شيء، تقريباً، وبكل ما حدث داخل هيئات منظمة التحرير ومؤسساتها، وورش الحوار، من اجتماع الأمناء العامين الشهير في بيروت، وما تفرّع منه من اجتماعات في اسطنبول برعاية أردوغان، ثم اجتماع القاهرة الذي كان منعقداً حين ظهرت "الرسالة"، إذ كان من المفترض أن يعلن الاتفاق خلال ساعات، بحسب التسريبات المقصودة للمجتمعين.
 
في العودة للرسالة التي تسبّبت بكل هذه الفوضى، والتي قدمت بصفتها وثيقة شاملة وصالحة لكل شيء، لا يوحي النص المكتوب بتراجع إسرائيل عن أي شيء تقريباً، لا سيما عن احتجاز أموال من "المقاصة" كانت تذهب لعائلات الأسرى وفجّرت الأزمة حين رفضت السلطة تسلّم الأموال منقوصة، وهو قرار متسرّع كما رأى الكثيرون من المتابعين، بخاصة أن تلك الأموال هي حقوق خالصة للفلسطينيين تقوم إسرائيل بتحصيلها مقابل فوائد، كان من الممكن تسلمها وإثارة موضوع القرصنة الإسرائيلية وتحويله موضوعاً دولياً يشمل ملف الاعتقالات نفسه.
 
 ربما، من باب الدقة، وهي ضرورية هنا، أن نشير الى أن تلك الرسالة، التي على أساسها قررت السلطة إعادة العلاقات بإسرائيل الى ما كانت عليه قبل أيار (مايو) 2020، موقّعة من ضابط يعمل بوظيفة "منسق شؤون الحكومة الإسرائيلية في المناطق"، في تعريف المناطق المقصود الضفة الغربية، وفي تعريف المنسق هو اللواء كميل أبو ركن، وجاءت رداً على رسالة من حسين الشيخ وزير الشؤون المدنية وعضو اللجنة المركزية لـ"فتح".
 
كميل أبو ركن هو ثاني فلسطيني من الطائفة الدرزية يحصل على رتبة لواء في جيش الاحتلال، وينحدر من قرية عسفيا، إحدى القرى المختلطة في الجليل ذات الأغلبية الدرزية، وتقع على قمة جبل الكرمل، وهي من القرى التي أسسها الأمير فخر الدين المعني وشكلت حدود إمارته، حيث استقدم للسكن فيها عائلات لبنانية وسورية وفلسطينية. اندثرت القرى التي أسسها فخر الدين وبقيت عسفيا، وتواصلت الهجرات الصغيرة اليها من داخل فلسطين، بيت لحم ورام الله، ومن لبنان كان آخرها وصول عائلات مارونية من صربا قضاء صيدا عام 1890. الجنرال الفلسطيني في الجيش الإسرائيلي هو التعبير الأكثر تطرفاً في تركيبة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أما عسفيا فهي الرسالة الأكثر غنى عن قوة التاريخ الشامي في فلسطين.
 
سأل الشيخ في رسالته أبو ركن إذا كانت إسرائيل ملتزمة الاتفاقات الموقعة مع السلطة فأجاب أبو ركن: "إنها تنظّم سلوكنا"، وأضاف أن السلطة هي التي توقفت عن تلقي أموال الضرائب التي لم تتوقف إسرائيل عن جمعها.
كان هذا كافياً، لم يكن نزولاً سهلاً عن الشجرة العالية، كان أقرب للذهاب الى هاوية مع رسالة موقّعة من "المنسّق".
 
الكلمات الدالة