إعلان

التضليل أصبح ثقافة... لبنان نموذجاً!

محمد الرميحي
محمد الرميحي
معدلات الفقر مرتفعة في لبنان
معدلات الفقر مرتفعة في لبنان
A+ A-
في التراث العربي، أبيات من الشعر طرب لها الجمهور. عندما غنّاها الفنان العراقي ناظم الغزالي والفنان السوري صباح فخري، فأطربا... يقول فيها الشاعر (قل للمليحة في الخمار الأسود...) الى آخر القصيدة. وراء تلك القصيدة قصة طريفة، فقد كان هناك تاجر للأخمرة (جمع خمار ) وجاء بعدد منها بألوان مختلفة باعها كلها الا تلك التي باللون الأسود، فاتفق مع ذاك الشاعر أن يروج لها، على طريقة التضليل الفاشنستي اليوم، فأنشد تلك القصيدة مقابل بعض المال. وأقبلت النساء وقتها على شراء الخمار الأسود، لأن كلاً منهن ترى في نفسها أنها... مليحة. 
 
الخمار الأسود هو (الاستثناء) ولكن بالتضليل أصبح الأصل. تجاهُل الأصل جعل السيد نائب الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم (في يوتيوب وزع على نطاق واسع) يفاخر بأن الحزب غيّر لبنان في السنوات الأخيرة، فانتشر الحجاب (الأسود)! وانصرف الشباب عن الرقص والغناء الى الجهاد في أماكن عديدة. وربما غيري وأنا كان يود أن يفاخر السيد نعيم بعدد المخترعات أو بحجم التشغيل الكامل لليد العاملة، او حتى بحجم الإنتاج في الصناعة والتجارة او بازدهار السياحة، أما الفخر في أخذ بعض اللبنانيين الى حتفهم مدافعين عن أسوأ نظام ديكتاتوري قتل أهله، وهو النظام السوري، او المفاخرة بأن النساء لبسن الحجاب (الأسود) في مجتمع على الأقل نصفه لا يقبل ذلك لأسباب مذهبية او حضارية، فإن الأمر يقع في إطار (التضليل الكامل)، ولو كان لبس الحجاب مرافقاً لسهولة الحصول على قوت اللبنانيين لفهمنا جزئياً ذلك الفخر!. في الوقت الذي يشح فيه الدواء و الكهرباء والماء في بلد فيها خيرات كثيرة، وتتدهور عملته!. 
 
إذا قارنا بين متشابهين هنا... الأردن الذي يتمتع بالأمن و الكهرباء والغذاء وعملته هي الأقوى، من بين أمور أخرى، وبين لبنان، لوجدنا الفارق واضحاً. فعدد سكان الأردن يقارب 11 مليون نسمة، والدخل المحلي الإجمالي حوالى 42 مليار دولار (2018)، في الوقت الذي يبلغ سكان لبنان حوالى 7 ملايين، و الدخل المحلي الإجمالي حوالى 57 مليار دولار ( 2018)، نجد أن الفارق الأكثر أهمية هو في طريقة إدارة المجتمع. وفي الأردن أيضاً نساء يرتدين الحجاب، ولكن ليس في الأردن، وهذا ما جعله في وضع أفضل، سلاح خارج الدولة يتحكم بها، على الرغم من أن موارد الأردن أقل في مجموعها الكلي من موارد لبنان. 
 
في مكان آخر من تجاهُل الحقيقة يستضيف طوني خليفة سيدة محترمة ويقال إنها قريبة من "التيار الوطني الحر"، ويعرض لها على الشاشة علمين أحدهما إيراني وآخر سعودي (وهو مقطع أيضاً انتشر على اليوتيوب) قال لها ايهما تفضلين، بعد تردد أشارت الى العلم الإيراني، مبررة أن الإيرانيين (ينسجون السجاد)! هنا يبدو (احتقار الحقيقة)، فلا التاريخ حاضر ولا الحاضر مشاهَد لدى السيدة. في الغالب لم تقرأ هذه السيدة تاريخ الجزيرة العربية، فهي بالتأكيد لا تعرف أن تجار نجد قد حملوا التجارة الى الشام ومنها لبنان والعراق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وحتى قبل ذلك بكثير، ودليلنا تاجر "الأخمرة" المذكور في أول المقال، كان تاجراً من الحجاز، قدم الى العراق لتوزيع سلعه! 
 
إذا كانت هذه السيدة لم تقرأ ذلك التاريخ، فمبرر، أما تجاهُل إنجازات العصر الحديث، فمن المفروض أن السيدة الكريمة مطلعة عليه، فالسعودية لها مكانتها الدولية التي يحترمها العالم، وهي عضو في مجموعة العشرين التي تحدد السياسيات الاقتصادية العالمية. أما إذا انتبهنا للكم الضخم من الدعم الاقتصادي الذي قدمته في أكثر من مكان، فنذكر على سبيل المثال لا الحصر، مساعدة الدول الفقيرة خصوصاً في أفريقيا، وقد وضع مصرف التنمية الإسلامي صندوقاً بـ10 مليارات دولار لمساعدة الدول الفقيرة مباشرة أو من طريق مشاريع الأمم المتحدة، بل إن السعودية اليوم تسجل أعلى انتاج عربي في ما يعرف بالمجتمع المعرفي، ودخلها من السياحة 19 مليار دولار 2019، وبلد السياحة الجميل والغني بالأماكن السياحية. فيما لبنان حقق فقط في العام ذاته 9 مليارات دولار. كما تفتقد السعودية كل الفقر والحرمان الذي يعاني منه مع الأسف (نساجو السجاد) بسبب نظامهم، كل ذلك بجانب القرب الجغرافي واللغة الواحدة والمستقبل المشترك! 
 
في هذا العصر لم يعد التضليل مستتراً أو يقال تحت غطاء الحياء والشك، بل أصبح علنياً يُجاهر به، بسبب تلك الحملات السياسية المتحيزة والخطاب التعميمي غير التصالحي. تلك المجاهرة التي أورثت الفاقة والإفلاس وساهمت في انتشار الأمراض والقمع، ولم نعد نحتاج الى شعراء لترويج البضاعة الكاسدة، كصاحب بضاعة "الأخمرة" سابق الذكر. الفارق أن اللغة وتعابيرها اليوم التي تستخدم للتضليل لم تعد قابلة للإقناع، كما أنها لا تبني أوطاناً أو تصلح مجتمعات.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم