إعلان

اليمن... المأساة المنسيّة

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
تبادل الاسرى بين اطراف الصراع في اليمن
تبادل الاسرى بين اطراف الصراع في اليمن
A+ A-
 لا يقدّم تبادل الأسرى الذي حصل أخيراً بين "الشرعية" اليمنية، من جهة، والحوثيين (أنصار الله) من جهة أخرى، في شيء. على العكس من ذلك، يمكن وضع عملية التبادل هذه في إطار عملية إعادة تأهيل لمقاتلين بغية استخدامهم وقوداً في المعارك ذات الطابع الاستعراضي، التي تدور بين حين وآخر، منذ خلف عبد ربّه منصور هادي في رئاسة الجمهورية علي عبد الله صالح. كان ذلك في شباط (فبراير) 2012 عندما سلّم صالح سلطاته الى نائبه الذي أصبح رئيساً انتقالياً كان مفترضاً أن تستمرّ ولايته سنتين فقط.

ما يفقد عملية تبادل الأسرى أيّ أهمّية من أيّ نوع، أن عدد الذين أفرج عنهم من الجانبين لا يتجاوز 1100 شخص. في المقابل، لا يزال عند الجانبين نحو 15 ألف أسير، بينهم مدنيون، ينتظرون استعادة الحرّية يوماً. لا فائدة من احتجاز طرف معيّن أسرى في اليمن. يكفي البلد ما يعانيه من ويلات تبدأ بالمجاعة وتنتهي بالأوبئة، للتفكير في ما هو أهمّ من ذلك بكثير، أي في تسوية سياسية في ظلّ صيغة جديدة لليمن ما زالت بعيدة المنال.

كان يمكن لعملية تبادل الأسرى أن تخلق بارقة أمل في اليمن الذي كان يخشى أهله في الماضي من الصوملة، أي من تحوّل اليمن صومالَ آخر. ما هو مخيف في الوقت الحاضر أن الوضع اليمني تدهور الى حدّ جعل عشرات آلاف الصوماليين الذين فروا الى اليمن يعودون الى بلدهم البائس ذي المستقبل الغامض منذ بداية تسعينات القرن الماضي. تجاوز اليمن مرحلة الصوملة الى ما هو أسوأ منها!

هل لا يزال ممكناً الكلام عن أمل في اليمن؟ الجواب عن مثل هذا السؤال في غاية البساطة. إنّه سؤال من نوع آخر: هل من تسوية سياسية يمكن التوصّل اليها في اليمن؟ في غياب مثل هذه التسوية، وهو غياب لعلّ أكثر ما يؤكّده الجمود السائد في ميناء الحديدة أو مدينة تعز المهمّة، عاصمة الوسط اليمني، لا يمكن الكلام عن أي أمل. كلّ ما يمكن الحديث عنه هو عن طريق مسدود.

ما يجعل التسوية مستحيلة، أقلّه في المدى المنظور، وجود كيان سياسي في الشمال يسيطر عليه الحوثيون الذين اجتاحوا صنعاء في الحادي والعشرين من أيلول (سبتمبر) 2014 وما زالوا فيها الى اليوم. أهمّ ما في الأمر أنّه ليست هناك قوة قادرة على إخراج الحوثيين من صنعاء أو من الحديدة، التي فيها أهمّ ميناء يمني على البحر الأحمر، أو من قسم من تعز. هذا الكيان الحوثي المدعوم إيرانياً يتوسّع شيئاً فشيئاً في اتجاه مأرب، في غياب من يتصدّى له حقيقة في تلك المنطقة اليمنية الداخلية. هناك بعض القوى التي يقودها طارق محمد عبد الله صالح (ابن شقيق علي عبد الله صالح) موجودة في المنطقة الساحلية تتصدّى للحوثيين، وهي على تماس مع الحديدة. لكن ليس ما يشير، الى الآن، الى تغيير كبير لخطوط وقف النار في الحديدة والمنطقة المحيطة بها على العكس مما يجري في الداخل اليمني.

استطاع الحوثيون في الأشهر القليلة الماضية السيطرة على معظم محافظة الجوف، ذات الحدود الطويلة مع المملكة العربيّة السعودية، واقتربوا أكثر فأكثر من مأرب التي ما زالت تحت سيطرة "الشرعية". يحصل ذلك كلّه في ظلّ تفاهم خبيث غير معلن بين "الإخوان المسلمين" الذين هم جزء من "الشرعية"، من جهة، والحوثيين، من جهة أخرى.

يعزّز الحوثيون وجودهم في صنعاء. استطاعت إيران، قبل أيّام قليلة، إرسال سفير لها ليكون الى جانب الحوثيين. تسلّل السفير الإيراني الجديد الى العاصمة اليمنية حاملاً رسالة واضحة. فحوى الرسالة أن إيران جزء من أيّ حل سياسي في اليمن. لا يمكن البحث في مستقبل اليمن في غياب إيران.

تكمن المشكلة اليمنية، في جانب أساسي منها، في أنّ "الشرعية" عاجزة عن إثبات وجودها، لا في محيط صنعاء ومأرب ونهم... ولا في تعز. زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي أقام إمارته فارضاً على أهل صنعاء ومحيطها نظاماً متخلّفاً لا علاقة له لا بالسياسة ولا بالاقتصاد ولا بما يدور في العالم المتحضر. هناك أمر واقع لا يعترض عليه الطرفان اللذان يفترض أن يكون بينهما صراع حقيقي، خصوصاً أنّ "الشرعية" تعتبر نفسها معنيّة بالعودة الى صنعاء.

في انتظار تطور دراماتيكي ذي طابع عسكري، على جبهة صنعاء أو الحديدة، تطوّر أبعد ما يكون عن مجرّد تبادل محدود للأسرى، لا ضوء في نهاية النفق اليمني.

بكلام أوضح، لا يسمح توازن القوى القائم بالبحث عن صيغة سياسية جديدة يحتاج اليها اليمن. في انتظار مثل هذا التطور الدراماتيكي في ظلّ الجمود الذي تعاني منه مهمّة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة مارتن غريفيث، يبدو اليمن بلداً منسيّاً، بل مأساة منسيّة. لا وجود في هذا العالم لمن يهتمّ فعلاً ببلد فقير يعاني أهله من الفقر والجوع والأمراض والتخلّف. لولا الصواريخ التي يطلقها الحوثيون بين وقت وآخر في اتجاه السعودية، وهي صواريخ إيرانيّة، صار اليمن خارج الأخبار. يحصل ذلك فيما "الشرعية"، بكلّ مكوّناتها، مرتاحة الى وضعها والحوثيون مطمئنون الى حلفهم مع "الإخوان المسلمين" الذين يتحكّمون عملياً بـ"الشرعية"، إذ يعتقدون أن هدف هؤلاء في نهاية المطاف السيطرة على جزء من اليمن (مناطق الوسط والجنوب) وترك الجزء الباقي لإيران في تواطؤ مكشوف معها...
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم