إعلان

رصيد تاريخي وبعد جغرافي ... الديبلوماسية الجزائرية في مهمّة تعويض الغياب

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم
وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم
A+ A-
تدفعُ الجزائر في الأشهر الأخيرة بثقلها، لتعويض سنوات غيابها عن المشهد الإقليمي والدّولي، واستعادة دوّرها المحوري في المغرب العربي ومنطقة شمال أفريقيا، بشكل يرفع رصيدها التاريخيّ في حلّ الصراعات بين الدول، وفق مُقاربة سيّاسية، ترتكز إلى الحوار والتمسك بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، بالرغم من عدم تقبل بعض الدول لهذا المبدأ.
 
وظهرت هذه "الضغوطات"، عندما تبنت دول عدّة ، أبّرزها تركيا، الخيار العسكري في حل الأزمة الليبية، ما اعتبرته الجزائر أمراً مرفوضاً جملة وتفصيلاً، مُعربة عن "انزعاجها" مرات عدة، من هذا الخيار المحفوف بالأخطار، الذي لا يُراعي مصلحة شعوب المنطقة في إحلال السلم والاستقرار.
 
وتحظى تحركات وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، وتصريحاته المُدافعة عن الموقف الجزائري، تجّاه أزمات المنطقة وإقليم الساحل، في سياق دولي بات أكثر تحولاً، باهتمام بالغ من طرف قطاع واسع من الاعلام ومتابعين للشأن الاستراتيجي.
 
وبالرغم من أزمة  فيروس كورونا، شهدت الجزائر حركة ديبلوماسية تمثّلت في سلسلة زيارات لوزراء خارجية دول مثل تركيا وإيطاليا ومصر والسعودية، إضافة إلى الأطراف المتنازعة في ليبيا (وفد من حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج، ورئيس مجلس النواب الليبي، صالح عقيلة)، قابلتها تنقلات وزير الخارجية الجزائري إلى عواصم كل من تونس، تركيا وروسيا وإيطاليا.
 
نفس جديد.. لكسر الركود
 
وعكست التغييرات التي طاولت السلك الديبلوماسي مؤخراً، وشلمت 4 دول بينها باريس وبلجكيا أهم عاصمتين أوروبيتين بالنسبة الى الجزائر، وسط توقعات بأن تشمل عواصم أخرى في الأيام المقبلة، رغبة في الدفع بالسياسة الخارجية نحو محطات جديدة.
 
في هذا الصّدد، يُزكي رئيس لجنة الخارجية بالبرلمان الجزائري عبدالقادر عبد اللاوي، عودة بلاده للساحة الدولية، عقب غياب فرضته ظروف داخلية (مرض الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، واحتجاجات 22 شباط/فبراير 2019)، مبيّناً أن التغييرات التي يشهدها سلك السفراء، سيعطي نفساً جديداً للخارجية الجزائرية.
 
وبناءً على هذا المعطى توقّع عبد اللاوي، أن تشمل الحركة دولاً أخرى استناداً الىى تصريحات سابقة لوزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، مبيناً أنها تغييرات كانت ضرورية، في ظل التطورات التي تعرفها الأوضاع الجيوسياسية في كل العالم.
 
إلى جانب ذلك، يُقّر  الى "النهار العربي"، بـ "وجود تقصير من طرف بعض السفراء في الخارج سواءً تجاه المغتربين أو في تمثيل الجزائر"، معتبراً أن "الرئيس عبدالمجيد تبون، يُحاول أن يضع حداً للركود الذي لم تجنِ منه الجزائر أي شيء".
 
أفريقيا... ساحة مفتوحة
 
إلى ذلك، يذكُر رئيس لجنة الخارجية بالبرلمان الجزائري، أن كل الدول تراهن على السوق الأفريقية الواعدة، ومن غير الممكن أن تبقى الجزائر التي تعتبر أكبر بلدانها مساحة، وبوابتها، مغيبة في القارة الأفريقية، التي أضحت ساحة تجارية مفتوحة للعالم، إذ يقُول: "يجب أن يكون ممثلونا في المستوى المطلوب وأن يسايروا وينافسوا ديبلوماسيات دول مجاورة، لأن وقت التهاون والتراخي والمكوث في المناصب لن ينفع سياستنا الخارجية".
 
ويضيف عبد اللاوي، أن هذا التوغل الأفريقي، لا يتأتى إلا من خلال تسهيل حركة النقل الجوي نحو بلدان القارة وفتح البنوك وتحريرها بشكل ديناميكي؛ لدعم التجارة الأفريقية.
 
وصادقت الجزائر على الاتفاقية المؤسسة للمنطقة الأفريقية للتبادل التجاري الحر، والتي ستدخل حيز التنفيذ في كانون الثاني (يناير) 2021. إذ تسعى الجزائر إلى رفع التبادل التجاري مع بقية الدول الأفريقية، التي لا تتعدى حالياً نسبة 3 في المئة من إجمالي حجم التجارة الجزائرية الخارجية، وفقاً لبيانات رسمية جزائرية. ومن المنتظر أن تشمل المنطقة 55 دولة أفريقية، يتجاوز عدد سكانها 1.2 مليار نسمة.
 
سفراء.. رهائن التقليد
 
وإن كان البعد الجغرافي والسياسي للجزائر يؤهلها للعب أدوارٍ ديبلوماسية متقدّمة، يقول أستاذ العلاقات الدولية توفيق بوقاعدة، أن "الجزائر ما زالت بعيدة من أداء أدوارها الديبلوماسية، بالرغم من محاولات العودة في الملف الليبي، والتي قامت الديبلوماسية بجولات مكوكية عبر العواصم العالمية والإقليمية إلا أن نتاج ذلك لم يتطابق مع أرض الواقع، لأنها لم تأخذ في الاعتبار التحولات الجارية على الميدان".
 
ويذكر بوقاعدة في تصريح الى "النهار العربي"، أن "العمل الديبلوماسي ليس مجرد خطابات أمام المكرفونات وجولات في شتى بقاع العالم، بل عمل ميداني وتواصل يومي مع اللاعبين واستخدام كل الوسائل في التأثير سواءً بالأساليب الناعمة أو التهديد بالقوة الخشنة".
 
ومن منظور أستاذ العلاقات الدولية، فإن "المكلفين بالعمل الديبلوماسي ما زالوا رهائن للطرق التقليدية، ويعتمدون على الرصيد التاريخي للديبلوماسية الجزائرية، أكثر من عملهم على خلق اختراق آخر في الرهانات الدولية الراهنة".
 
وتملك الجزائر في تاريخها الديبلوماسي حل عدة أزمات أبرزها، أزمة الرهائن الأميركيين في إيران، وإصلاح العلاقة بين العراق وطهران، ودفع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، مع شاه إيران محمد رضا بهلوي، للتوقيع على اتفاقية الجزائر في حزيران (يونيو) عام 1975.
 
وإقليمياً تمكنت الجزائر من إحلال السلام بين الأطراف المتنازعة في مالي التي تتقاسم معها الجزائر حدوداً برية، من خلال جولات الحوار التي قادتها بين حركات الطوارق والحركات المسلّحة في منطقة شمال مالي، والحكومة المركزية في باماكو، تُوّجت باتفاق سلام وُقّع في الجزائر في أيّار (مايو) 2015.
 
وبناء على ما تم ذكره، عبر بوقاعدة الى"النهار العربي"، عن "أسفه لكون التغيرات الديبلوماسية الحالية، لا يُمكنها وفق منظوره أن "تخلُق الديناميكية المنشودة والمنوطة بدولة بحجم وتاريخ الجزائر"، ويبّين أن "أوراق التوازنات إختلت لغير صالح الجزائر، ونحن في حاجة الى إعادة ترتيب خريطة المصالح ونمط التحالفات الاقليمية والدولية، وخلق ثغرة في الترتيبات الجارية في المنطقة بما يضمن مصالحنا كما أننا بحاجة إلى إعادة تكوين الكوادر الديبلوماسية بما تحتاجه مهماتهم وليس جعل الوظيفة الديبلوماسية آلية للترقية الاجتماعية أو الإبعاد عن المشهد الداخلي".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم