إعلان

تركيا للاجئين الأفغان: "أنتم إخوتنا المسلمون"

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
لاجئون أفغان في تركيا
لاجئون أفغان في تركيا
A+ A-
تشهد تركيا في الآونة الأخيرة ارتفاعاً دراماتيكياً في عدد اللاجئين الأفغان الوافدين إلى البلاد، وسط تجاهل أو غض الجهات المعنية من الجندرما والقوات القتالية المنتشرة على الحدود مع إيران الطرف عن دخول المئات من هؤلاء إلى ولاية "فان"، في مشهد يعيد إلى أذهان الأتراك وفود اللاجئين السوريين في بداية الأزمة السورية من حيث الأعداد والتساهل على الحدود وحماسة الحكومة التركية.
 
 تصاعد الأصوات المحذّرة من خطورة الوضع القائم دفع بحكومة "العدالة والتنمية"، إلى إيجاد خطاب جديد، بعد أسابيع من تجاهل الملف، مع التركيز على "الناحية الإنسانية" أحياناً، والأصول الدينية الإسلامية والعرقية التركمانية لفئة من الشعب الأفغاني أحياناً أخرى.

أفغانستان إلى الواجهة مجدداً
في زحمة الملفات الخلافية مع واشنطن، بادرت أنقرة إلى وضع ورقة الخدمة العسكرية على الطاولة بعرض مغر قدّمته للرئيس جو بايدن، عبر استعدادها لإرسال قواتها إلى كابول لملء الفراغ الناتج من انسحاب القوات الأميركية من البلاد، وتسليمها لحركة "طالبان" بعد فشل معركة الأعوام العشرين للقضاء عليها.
 
وإن كانت الخطوة التركية تهدف في الدرجة الأولى إلى ترطيب الأجواء مع الحليف الأميركي "الممتعض"، لكنها في الوقت ذاته تعزز من استراتيجية القوة الخشنة التي بات يتّبعها أردوغان عوضاً عن استراتيجية أتاتورك القائمة على مبدأ "السلام في البلاد والسلام في العالم".
 
في المقابل، صعّدت المعارضة التركية من حملتها الرافضة لخطوة التدخل غير المحسوبة النتائج، محذّرة الحكومة من تحوّل أفغانستان كوريا شمالية جديدة بالنسبة الى تركيا، وهي التي عرفت بـ"مقبرة الإمبراطوريات" بعد تجربة السنوات العشر السوفياتية القاسية التي كانت سبباً أساسياً في تفكك الاتحاد، تبعتها تجربة أميركية لا تقل سوءاً عن سابقتها.
 
أما القلق الأكبر في جناح المعارضة وقسم كبير من الشعب التركي، فيتمثّل بملف الوافدين الأفغان إلى البلاد، وسط تقارير تتحدث عن احتمال تجاوز عددهم المليون ونصف مليون لاجئ، لينضموا إلى 4 ملايين لاجئ سوري ومليون لاجئ من جنسيات عربية وآسيوية.

أكثر من 500 لاجئ يومياً
وكشف مصدر عسكري سابق في تركيا عن عبور ما بين 500-600 لاجئ أفغاني الحدود الإيرانية إلى البلاد، "من دون وجود إجراءات جدية لردع موجة اللجوء الخطرة هذه" بحسب وصفه.
وشرح الضابط المتقاعد، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، في تصريحات الى "النهار العربي"، أن "المنطقة الحدودية بين ولاية فان التركية وإيران تشهد توافد أفواج بشرية يومياً"، معرباً عن "استغرابه من عدم اتخاذ السلطات التركية تدابير جدّية للحد من وصول هؤلاء اللاجئين".
 
وقال المصدر الذي خدم في قوات حرس الحدود التركية في ولاية فان لعشرات الأعوام، إن "الجغرافية المذكورة معروفة منذ التسعينات كواحدة من أنشط مناطق تهريب البشر، وكانت إحدى أولويات مهمتي العسكرية في سنوات خدمتي هي الحد من عبور الأشخاص بطريقة غير شرعية إلى تركيا عبر هذه المنطقة، ورغم الإقرار بصعوبة عملية ضبط حدود أي دولة مع جيرنها، إلا أن تدفّق عشرات اللاجئين على شكل مجموعات متعاقبة، كما يحدث الآن، يدل على وجود خلل في آليات ضبط الحدود في أفضل الأحوال"،
مضيفاً: "خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في وصول مئات الآلاف من المهاجرين الجدد إلى تركيا مع أعباء ذلك اقتصادياً واجتماعياً على البلاد، بل في عدم معرفتنا لعدد عناصر "القاعدة" أو حزب العمال الكردستاني العابرين من إيران إلى تركيا ضمن قوافل اللجوء تلك، وما يشكّل ذلك من تهديد للأمن القومي التركي".
 
واتّهم المصدر إيران "باتّباع سياسة الباب المفتوح للاجئين" عبر إفساح المجال أمامهم للانتقال إلى تركيا "من دون اتخاذ أي إجراء يمنع ذلك أو يزيد من صعوبة عملية العبور على الأقل".

الحكومة التركيّة تنفي والفيديوات تكذّبها
ورداً على التقارير حول وجود معابر غير شرعية على الحدود الإيرانية، أصدرت الداخلية التركية بياناً نفت فيه "إمكان الحديث عن هجرة جماعية" للأفغان، زاعمة أن مقاطع الفيديو التي نشرها نشطاء وصحافيون على أنها من الحدود الإيرانية - التركية تعود في الأصل إلى منطقة حدودية بين أفغانستان وطاجكستان.
 
بيان الداخلية التركية استهدف بشكل رئيسي التغريدات التي نشرها الصحافي التركي رشان تقوى من أبناء مدينة فان عبر حسابه في "تويتر"، متضمنة مقاطع فيديو تظهر فرحة مجموعة من الشبان الأفغان بوصولهم إلى قرية حدودية تركية، ما أشعل جدلاً في الداخل التركي في إمكانية تكرار سيناريو اللاجئين السوريين.
 
وكشف تقوى في حديث مطول مع "النهار العربي"، أن "استدعاءه من قبل السلطات التركية للإدلاء بأقواله بتهمة بث معلومات وأخبار كاذبة وتصوير الحدود الأفغانية - الطاجكستانية على أنها حدود ولاية فان، دفعه إلى نشر المزيد من المقاطع المصورة التي تضمنت هذه المرة لقاءات مع اللاجئين، مع التركيز على معالم القرى والبلدات التركية التي هم فيها".
ويقول تقوى، الذي يواجه دعاوى قضائية بسبب التحقيقات التي قام بها حول اللاجئين الأفغان: "قضيت ليلتين على حدود ولاية فان مع إيران، حيث رصدتُ مجموعات من اللاجئين الأفغان، كما تسنّت لي فرصة التحدث إليهم وإجراء المقابلات معهم ونشرها تباعاً"، مضيفاً: "على الحكومة التركية أن تدرك أن تكذيب الصحافيين لا يغير من حقيقة الأمر".
 
ووفق تقوى، وبناءً على شهادته ولقاءاته مع الوافدين الأفغان، فإن "عملية تهريب هؤلاء تتم عبر شبكة عالمية تمتد على خط أفغانستان - باكستان - إيران - تركيا، أعضاؤها مهربون من البلدان الأربعة، وتتراوح الكلفة ما بين 1500-2000 دولار أميركي للشخص الواحد".
ويضيف تقوى: "تنتهي هذه الشبكة على الحدود الإيرانية مع ولاية فان التركية، حيث يرشد أبناء البلدات الحدودية اللاجئين إلى أقرب قرية حدودية مقابل 400 ليرة تركية (50 دولاراً تقريباً) و400 ليرة أخرى لنقلهم من القرية إلى مركز مدينة فان، ليتسنى لهم لاحقاً الوصول إلى اسطنبول أو المدن الغربية في البلاد".

حكومة العدالة والتّنمية تشجّع لجوء الأفغان
ويؤكد تقوى لـ"النهار العربي" اتّباع السلطات التركية "سياسة غض الطرف عن وصول اللاجئين الأفغان، وهو ما تبيّن لي قطعاً من خلال لقاءاتي معهم، حيث روى كثيرون كيف أنهم سلكوا طرقاً بمحاذاة النقاط والمخافر المنتشرة على طول الحدود وأمام أعين الجندرما التركية" في حالة شبيهة ببداية الأزمة السورية عام 2011.
 
وبحسب تقوى، فإن "8 ملايين أفغاني هاجروا عام 2001 مفضّلين باكستان وإيران. لكن اليوم تعتبر تركيا بالنسبة الى المهاجرين الأفغان أكثر المحطات أماناً. فالتصريحات الصادرة عن السلطات التركية، والمركّزة على أن الشعب الأفغاني إخوتنا المسلمون يُنظر إليها في أفغانستان على أنها دعوة للجوء إلى تركيا".
 
ويلفت الى أن "الكثير من الشبان الذين قابلتهم قالوا إن إيران دولة إسلامية لكنها تتّبع نهج ولي الفقيه المخالف لمعتقداتنا، بينما تركيا دولة تدين بالإسلام الصحيح، كما أن أردوغان هو شقيق كل مسلم مستضعف، من المؤكد أنه سيحمينا ويحافظ علينا".
 
وإن كان "الإسلام الصحيح" يشكّل السبب الأساسي الذي يدفع الأفغان لاختيار تركيا كوجهة رئيسية للهجرة، فما هي دوافع أنقرة في عضّ الطرف عن وصول موجات الهجرة  تلك إليها؟ هذا ما سنناقشه في الجزء الثاني من هذه المقالة يوم غد.
 
 
الكلمات الدالة